يمكنك التنقل عبر جميع المواضيع أسفل الصفحة في الجانب الأيمن

اخت القمر


كتبته في موقع اتحاد الشباب

ما كل أخبار الهدهد بشائر، فبعض الأنباء تسقط ككسر في الظهر، وليس للموت بروفات ثابتة كي نتقن الدور ونعتاد عليه، فأدوار الموت وطرقه وأسبابه تتغير، وتفاصيله وسيناريوهاته تتغير، وحتى أبطاله يتغيرون.. وكان نباء وفاتها كالصاعقة.

فبعض الشخصيات الكتابة عنهم بعد رحيلهم كالتدرب على الموت، كالسيرفوق طرق جمر لا تنتهي، وكانت بالطيبة بما يكفي كي أفشل في الكتابة عنها، وكانت من النقاء بما يكفي كي ترحل قبل أوانها، ككل الأشياء الجميلة التي ترحل قبل أوانها، كطفولة اليتيم، كلذة أسرار المراهقين.

أنا سعاد أخت القمر، بين العباد حسني اشتهر...
بهذه الكلمات أشرقت علينا فنياً، وهي في عمر 3 سنوات عندما اشتركت ببرنامج بابا شارو الاذاعي، وغابت عنا سنوات ثم أشرقت علينا عندما بلغت 17 سنة مرة ثانية من خلال السينما بفيلم حسن ونعيمة للمخرج الكبير هنري بركات عام 1959

هي لا تحتاج إلى أن يُكتب عنها، لأنها أكبر من أي كلام، هي حالة استثنائية في الفن العربي، وظاهرة يصعب تكرارها، فهي إضافة إلى ادائها التمثيلي الذي يحمل من يشاهده إلى عوالم أخرى، فنانة استطاعت أن تغني الحياة، وهذا الارتباط بالحياة جعلها رمزاً من رموز الحياة، إلى جانب كونها رمزاً فنياً كبيراً، فهي لم تترك جانباً من جوانب الحياة إلا وقدمته في ادوارها من دون تحيز أو انحياز، فاستحقت بجدارة أن تكون ملكة كل القلوب، وسندريلا السينما العربية.

فارقت الحياة، بعد أن سقطت من الطابق السادس من عمارة ستيوارت تاور يوم الخميس 21/6/2001 في لندن، بعد رحلة مرض امتدت أكثر من 13 عاماً، وبرحيلها اختلف الجمهور حول موتها، هل سقطت بسبب فقدانها توازنها، أم انتحرت، أم كانت جريمة قتل، ومازالت بعد رحيلها عنا نجمة ومثال يحتذى لدى الباحثات عن الشهرة من جميلات هذه الأيام، وأغلبهن إن لم نقل كلهن، يعتبرون أن مفتاح شهرتها كان جمالها، إضافة إلى ادوارها التي قدمتها، لتصبح نجمة العالم العربي بلا منازع، لكن النتيجة بعد تبيان البرهان، أثبتت أنها كانت موهبة فنية غير عادية، وبالتالي ساعدها جمالها لكسب المزيد من حب الجمهور العريض الذي كان يراها نجمة لا تنازعها نجمة في عالم التمثيل، فقد عجزت السينما حتى اليوم عن اكتشاف نجمة تضاهي نجمتها.. السندريلا.

هذه الفنانة التي دخلت قلوبنا، على كل منا أن يكرمها بالطريقة التي يراها مناسبة، ولو كان الأمر بيدي لأطلقت اسمها على احد الميادين أو المسارح وخصصت لها يوماً عربياً وعالمياً للاحتفال بذكراها، وبمناسبة الحديث عنها، فقد لاحظت مؤخراً الكثير من الفنانين الذين يتحدثون عنها في مقابلاتهم وحواراتهم، ويا ليتهم بدل الحديث عنها يحاولون دراسة موهبتها وتفهم أسباب نجاحها وتدريسها، وهي التي لم تجري وراء الأضواء والشهرة والنجومية، ولم تبحث عن مجد، بل كان المجد يطاردها في كل أعمالها، حتى تحولت إلى رمز من رموز الفن.

ختاماً، لا يمكنني أن أكتب عن أميرة حبي أنا وأميرة حبكم أنتم، إلا بكل هذه المحبة وبهذه الروح العاشقة، لأنها ببساطة مدرسة الحب، تعلمنا الحب من أعمالها، ودرسنا الحياة على أغانيها الرائعة، واستمتعنا فنياً في حديقة فنونها التمثيلية والغنائية، وإن أردت أن أكتب كل ما يجول بخاطري عنها، وأستعيد لحظات عشتها برفقة أغنياتها سواء في طفولتي أو الآن، لما انتهيت من الكتابة عنها، لأنها حالة مستمرة في حياة من يحبها، وهي ليست حالة عشق طارئة تمر يوماً وترحل.

فتحية لروحك الجميلة يا سندريلا في ذكراكِ، وتحية سندريلالية لكل من يحبك يا سعاد يا أخت القمر.

اصغر من أستاذ وأكبر من عميد


نشرته في موقع اتحاد الشباب التقدمي
" اعتدت كل يوم أن أخلو لنفسي لحظات أفكر فيها، وفي ما مر علي من أحداث، ولا أعد يوماً لم أتمكن فيه من هذه الخلوة، أحياناً أرى أنه يوم عادي لم يجر فيه إلا ما كان مألوفاً، وأحياناً أرى ما يهز مشاعري ويقلق عواطفي، فأرى مثلاً من كنت أعده موطن وفاء ومركز صداقة، قد باع صداقته بأرخص الأثمان وصدر عنه ما ليس له تفسير إلا الجحود والنكران، وتبين أنه كان صديقاً مخلصاً يوم كان يأمل في قضاء مصلحة، فلما قضى مصلحته تنمر وتنكر، وسألت نفسي في إحدى الخلوات: ماذا كنت تستفيد من تجاربك لو حييت حياة ثانية وعدت لشبابك؟ فقلت: كنت لا أؤمن بالناس كما كنت أؤمن، فكل من رأيت إنما يطلب الخير لنفسه، وإنما يعرفك ويتملقك إذا أحس بالحاجة إليك، ويمقتك ويكرهك إذا أحس الحاجة عند غيرك، وقد علمتني الحوادث أن لا شيء من المال يساوي الصحة، خصوصاً إذا جمع على حساب الصحة، وأن أقرب أقربائي حتى أولادي، ليستأهلون أن تضيع الصحة في سبيلهم، وأحياناً أفكر في ما هو أوسع من ذلك في الإنسانية جمعاء، كيف يغيب عن زعماء العالم أن في الحرب ضرراً للجميع، المنتصر والمهزوم، وأن الغاية التي يسعى إليها الزعماء مهما تكن، لا تساوي ما يهدر من دماء وأموال، وأن الجهود العملية لو بذلت في خير الإنسانية لتقدمت البشرية، وأن العقل الضيق وحده هو الذي جعل فروقاً بين الشرق والغرب، والمسلمين والمسيحيين واليهود، وأن الناس لو عقلوا لأدركوا أن الدين لله وحده".
هذا جزء من مقالة وجدت فيها من أجمل ما كتب كاتبنا ومؤرخنا الذي تمر اليوم ذكرى وفاته، وتتماشى مع كل عصر.
ولد في اكتوبر عام 1886 بالقاهرة من اسرة محافظة تتمتع بقدر كبير من العلم والمعرفة، التحق بالمدرسة الابتدائية ثم الأزهر ثم بمدرسة القضاء الشرعي التي تخرج منها، ثم عين مدرساً استاذاً بكلية الأداب بالجامعة المصرية، ثم عميداً لها رغم أنه لا يحمل درجة الدكتوراة، ثم تركها ليساهم في إنشاء أكبر مجلتين في تاريخ الثقافة العربية هما: "الرسالة"و"الثقافة" كما عين بعد ذلك مستشاراً لوزارة الثقافة فمستشاراً لوزارة التربية والتعليم، وفي سنة 1946 عين مديراً للادارة الثقافية لجامعة الدول العربية، كما عمل لأربع سنوات في القضاء وعُرف عنه فيها التزامه بالعدل وحبه له، وفي فترة من الفترات كان قاضياً في قرية في الواحات، يعيش أهلها عيشة بؤس لا يملكون إلا عدد محدود من شجر النخيل وعين ماء، فذهب لأداء صلاة الجمعة في مسجد القرية، وإذا بالخطيب يحث أهل القرية على مقاطعة أوروبا وعدم قضاء الصيف فيها، فذهل لما يسمعه حيث لم يسافر أحد ابناء القرية للقاهرة من قبل، فكيف سيسافروا لأوروبا، فعجب من سماجة وجهل الخطيب الذي لم يوفق في اختيار موضوع الخطبة بما يفيد أهل القرية، فقال: إن أكثر المتكلمين في الأخلاق من أمثال هذا الخطيب لا يعرفون زمانهم ولا أمتهم ولا يعرفون موقف أمتهم من زمانهم.
واستفاد من عمله بالقضاء أنه كان لا يقطع برأي إلا بعد دراسة وتمحيص شديد واستعراض للآراء والحجج المختلفة، إلى أن عُزل من سلك القضاء لدفاعه عن أستاذه عاطف بركات.
دفع النجاح الذي حققه في سلسلة كتبه الدينية ضحى االإسلام وفجر الإسلام وظهر الإسلام، الكثير من الأدباء إلى تقليده في الإتجاه إلى هذا النوع من الأدب، وروى أدق تفاصيل حياته في كتاب حياتي، ومن مؤلفاته قصة الادب في العالم، فيض الخاطر، إلى ولدي...
وهو صاحب المقولتين الشهيرتين:"أنا أصغر من أستاذ وأكبر من عميد" "أريد أن أعمل لا أن أسيطر" ويقول ابنه الاقتصادي المعروف جلال أمين، أنه لم يره مرة من دون كتاب.
هو الأديب والمفكر والمؤرخ والكاتب أحمد أمين، الذي توفي في مثل هذا اليوم 30 مايو 1954 بعد أن ترك لنا كم من المؤلفات الأدبية وأكثر من 900 مقال.

الجنوبي


نشرته في موقع اتحاد الشباب


الجنوبي..هي الصفة التي التصقت به بعد قصيدته التي حملت هذا العنوان، فهو محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل، ولد في عام 1940 بقرية القلعة بمدينة قنا، وقد كان والده عالماً من علماء الأزهر الشريف مما أثر في شخصيته ولغته وقصائده، ولد بنفس السنة التي حصل فيها والده على اجازة عالمية فسماه باسم أمل تيمناً بنجاحه، وكان يمتلك مكتبة تضم كتب الفقه والشريعة والتفسير مما أثر فيه وساهم في تكوينه كشاعر.

فقد أمل والده وهو في العاشرة من عمره مما أثر عليه كثيراً وأكسبه مسحة من الحزن نجدها في كل أشعاره، وبعد أن أنهى دراسته الثانوية في قنا سافر إلى القاهرة والتحق بكلية الآداب ولكنه إنقطع عن الدراسة منذ العام الأول لكي يعمل، فعمل موظفاً بمحكمة قنا ثم جمارك السويس والإسكندرية، ثم بعد ذلك موظفاً بمنظمة التضامن الأفرو آسيوي، ولكنه كان دائماً ما يترك العمل وينصرف إلى كتابة الشعر.

عاصر ثورة 1952 وأحلام العروبة مما ساهم في تشكيل وجدانه وقد صدم ككل المصريين بانكسار1967 وعبر عن صدمته في رائعته "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" ديوانه الأول الذي جسد فيه إحساس الإنسان العربي بنكسة 1967 وأكد ارتباطه العميق بوعي القارئ ووجدانه، ثم جاء عمله الثاني "تعليق على ما حدث" حيث شاهد بعينيه النصر وضياعه ووقف مع كل من وقفوا ضد معاهدة السلام، وكتب رائعته "لا تصالح" والتي عبر فيها عن كل ما جال بخاطر المصريين والعرب الشرفاء، ونجد أيضاً تأثير تلك المعاهدة وأحداث 18 و19 يناير 1977 واضحاً في مجموعته "العهد الآتي" وكان موقفه من عملية السلام سبباً في اصطدامه مع السلطة وقتها وخاصة ان أشعاره كانت تردد في المظاهرات.

عبر دنقل عن مصر وصعيدها وأهلها، ونجد هذا واضحاً في قصيدته "الجنوبي" في آخر مجموعة شعرية له "أوراق الغرفة 8"

صدرت له ست مجموعات شعرية هي:

"البكاء بين يدي زرقاء اليمامة 1969، تعليق على ما حدث 1971، مقتل القمر 1974، العهد الآتي 1975، أقوال جديدة عن حرب بسوس 1983

أوراق الغرفة 8 1983"

بعد 9 أشهر من زواجه، اكتشف الأطباء وجود ورم في جسده،وحددوا موعداً لإجراء الجراحة فانشغل الزوجان عن الخوف من المرض بتدبير المبلغ المطلوب للعملية، وهذا ما روته زوجته الكاتبة عبلة الرويني في كتابها الجنوبي، وتصف فيه كيف انكشف لهم معدن الأصدقاء، وكيف رفض أمل بيع خاتم الزواج الماسي، لأنه ثمن أرضه التي باعها في الصعيد، وحين أصرت على بيعه هدد بعدم الخضوع للعملية، ثم استطاعا تدبير 500 حنيه من عدد من الأصدقاء ومن بينهم صديق شديد الثراء دفع منهم 200 جنيه، ثم صدر قرار من صندوق الفنانين في وزارة الثقافة بتغطية نفقات العلاج، وتم ارسال النفقات على مراحل، فقاموا برد المبالغ المستدانة ما عدا الـ 200 جنيه حيث قبض صاحبه أضعافه، وبعد 5 أشهر من الجراحة ظهر ورم سرطاني آخر، فطالب بعض الأدباء من اتحاد الكتاب علاجه، فوافق رئيس الاتحاد وقتها الكاتب ثروت أباظة على أن يتقدم المريض بالتماس، فلم يقدموا التماساً، فصدر قرار من وزير شئون مجلس الوزراء بعلاجه على نفقة الدولة، في الدرجة الثانية من دون مرافق بنفقات قدرها 1000 جنيه، وكان قرار سخيفاً، وحين أتته مشاركات الأصدقاء على شكل مساعدات لتغطية نفقات العلاج، بكى من العجز والمرض والعذاب، واختفاء معظم الأصدقاء حين كان في أمس الحاجة إليهم.

وتتضح معاناته مع المرض في مجموعته "اوراق الغرفة 8" وهو رقم غرفته في المعهد القومي للأورام والذي قضى فيه ما يقارب الـ 4 سنوات، وقد عبرت قصيدته "السرير"عن آخر لحظاته ومعاناته، وهناك أيضاً قصيدته "ضد من" التي تتناول هذا الجانب، وكانت آخر قصيدة كتبها هي "الجنوبي" وكان أقرب أصدقائه عبد الرحمن الأبنودي و د. جابر عصفور وأحمد عبد المعطي حجازي الذي قال عن مرضه انه صراع بين متكافئين، الموت والشعر، حيث لم يستطع المرض أن يوقفه عن الشعر، إلى أن رحل عنا يوم21 مايو عام 1983 ومن أجمل ماكتب اخترت لكم مقطع من قصيدة لا تصالح:

لا تصالحْ

لا تصالح على الدم.. حتى بدم

لا تصالح ولو قيل رأس برأسٍ

أكلُّ الرؤوس سواءٌ

أقلب الغريب كقلب أخيك

أعيناه عينا أخيك

وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك

بيدٍ سيفها أثْكَلك

لا تصالحْ

ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخْ

والرجال التي ملأتها الشروخْ

هؤلاء الذين يحبون طعم الثريدْ

وامتطاء العبيدْ

هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم

وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخْ

لا تصالحْ

فليس سوى أن تريدْ

أنت فارسُ هذا الزمان الوحيدْ

وسواك.. المسوخْ

لا تصالح.. ولو منحوك الذهب

ترى إن فقأتُ عينيكَ..

و ثبتتُ مكانهما جوهرتين

هل ترى؟

هي أشياءٌ لا تُشتَرى...

في ذكرى ميلاد من كانت محبوبتي


أوؤمن تماماً بأن الحب ليس معجزة ولا هو صانع المعجزات، فهو يتكرر آلاف المرات، فالحب أوهن من الدفاع عن حق قلوب في البقاء، أضعف من توفير وساده لعاشقين يحترقان شوقاً، فالو كان الحب صانع المعجزات لما أطلقت حكايات الحب سراح أبطالها بعد أن انغمسوا في تفاصيلها، وما فصلت التصاقهم بعد أن التحموا حباً كالجسد الواحد.

اليوم هو عيد مولد من احببت، الحب الذي كان بالنسبة لي حلم، حلم ذاب كقطع السكر في كأس الحياة، فعالم الأحلام نحن من نصنعه ونضع أساساته ونشيد بنيانه ونخطط طرقاته، ونحن من نرسم أشجاره وجباله وبحاره، حتى سكانه نحن من نختارهم، فلم افقد إيماني بالحلم الجميل، لكني فقدت إيماني بوجود امرأة تستحق أن تنحني لها قامة رجل شامخ ليمنح جسدها الدفء والاهتمام، حيث كانت هناك أمور تراها هي تافهة وتمر عليها مرور الكرام، لكنها تعني الكثير، الكثير الذي لا يقاس بمقدار ولا بكمية العصير المتبقي في قاع كأسها، ورسوماتها المرسومة على لوحاتها، وعطرها المتبقي في الطرقات، وهمسات صوتها وضحكاتها.

فقد كانت حكاية حبي معها كزوجة أب تمارس عليَ من العذاب والهوان ما لا طاقة لي به، لهذا أحاول أن ينحصر خيالي بها في دائرة حضورها أمامي، وألا يتجاوز إلى ما بعد رحيلها، فلا شأن لي بعالمها الخاص، فبعد إسدال الستار الأخير على الحكايات لا يتبقى هناك ما يقال، فحوارات ما بعد الفراق أشبه ما تكون بالعبث بجثة عزيز، أو أشبه بلعبة كرة القدم يتنافس أطرافها في رمي الكرة بعيداً عن مرماهم، فالكل يحرص بعد الفراق على أن يمضي متقناً دور المظلوم والمجني عليه، لربما هذا الشعور يساعد على البدء في بداية جديدة بشكل أسرع.

لكني لازلت أذكر لحظة فرقنا حين غادرتها وأنا أضع يميني على قلبي ويسراي تحاول التحكم بمقود السيارة، ودموع عيني تحجب عني الرؤية، ليست المرة الأولى التي أتجول فيها في طرقات المدينة وغزير الدموع يحجب الرؤية عني، وليست المرة الأولى التي أقف فيها على النيل وفي قلبي صرخة حزن لايسمعها سواي، ليست المرة الأولى التي يحترق فيها قلبي، وليست المرة الأولى التي تلوح بها يميني على محطات الوداع مودعة قطعة من الروح، وليست المرة الأولى التي أحاول أن أرفرف بها عالياً في اتجاه قامة أحلامي ويخذلني وهَنُ أجنحتي، وليست المرة الأولى التي أعود فيها للبيت مكتوف اليدين لكي لا يلمح أحد حجم الكسر في جناحي، ليست المرة الأولى التي أتسلل فيها لشقتي وأغلق الباب بالقفل مرتين متتاليتين وكأن مرة واحدة لاتشعرني بالأمان لكي أمارس حزناً وبكاءً في السر.

والآن اطالع كل يوم صورك، واستمع للأغاني التي كنتِ تسمعينها وأكثرها للسيدة فيروز، فحين أسمع "كيفك انت" تبعثرني وأتحسس وجه الحنين إليكِ، وأمسح دموع وتحشرج السؤال الحاد في فمي حتى أغص به، كيفك أنت؟ آه ياأنت، وحين أسمع "أنا وشادي" أرتعب، فأنتِ كنتِ لي كل أصدقائي ورفاقي، وحين انفرطتِ من عقد أحلامي، انفرطت بعدك كل الأحلام، وتناثرت بعدك تفاصيل القصص كحبات العقد أمامي، وحين أسمع "بكتب اسمك ياحبيبي ع الحور العتيق ...وهديتني وردة فرجيتا لصحابي" أتذكر الفراق وكيف أصبحت الوردة صديقة لصيقة عند الحنين، فليس كل الهدايا بعد انتهاء القصص تنتقل إلى مرحلة الأطلال، فبعض الهدايا نتحول نحن أمامها إلى أطلال، وأتابع "بحكي عنك ياحبيبي لأهالي الحي بتحكي عني ..لنبعة المي" فأجد أن أهالي الحي رحلوا من زمن، ومنابع المي جفت من زمن، فلمن سأحكي عن قصتنا، ومن سيقول لي أن هذا نصيب، وحين أسمع "يا مرسال المراسيل" أجد حولي قيود وعراقيل كثيرة، فلا مرسال بيني وبينك يحفظ السر والأمانة، وكأن هذا العالم ما اخترع يوماً صناديق الرسائل ولا طوابع البريد، وأسمع "ونطرتك ع بابي بليلة العيد" وأنا نطرتك ع بابي بكل الليالي لا أنتِ مررتِ بي ولا حتى العيد، وأحببتك في أول الشباب ومنحتك منه أخضره وأنضره، وغبتِ عني في أخره ومنحتيني منه أصفره وأوهنه، وأسمع "شو بيبقى من الرواية، شو بيبقى من الشجر" فتكسرني فلا شيء يبقى، فالروايات حين تكبر تشيخ وتشيب كالإنسان، وأسمع في الشتاء "رجعت الشتوية" فأتألم فالشتاء عاد بكل طقوسه ولم تعودي أنتِ، وحين اسمع "بعدك على بالي" أرتبك، فهذه الأغنية تضيء خلوتي في ركن النسيان، فأتلفت حولي أواري عمن حولي عورة قلبي، فكم طرت بأجنحة النسيان في فضاء التبلد بعدكِ، وكم غبت في أكاذيب النسيان أمامهم وكنتِ أنتِ أول من صدق أكذوبتي وغيبوبتي، فللنسيان غيبوبة ضبابية، وإغماءة لا نفيق منها إلا بهزة قوية، كهزة صوت فيروز الأتية بالحنين من زمن التفاصيل التي تغفو بنا مرهقة من شدة التكرار ولا تموت، فحين نكثر الحديث عن النسيان نكون نحاول أن نحكي حكاية انتصارنا على انكسارنا، فالذي ينسى لا يهتم بإعلان النسيان كثيراً، والذي ينسى لا يكثر من سباب الأمس ولا يقذف التفاصيل باللعنة ولا يغتاب الذكرى الجميلة، ومادمنا نهتم ونلعن ونغضب فنحن مازلنا نتذكر ومازلنا نتألم ومازلنا قيد حنين.

كنتِ تقولين لي أنت في قلبي، وكنت أعلم أنك تحمليني في جيب قلبك المثقوب، والجيوب المثقوبة لا تحتفظ بما فيها طويلاً، لذلك كنت أعلم أني سأسقط من جيبك سهواً ويوماً ما ستطلق قصتنا سراحي، بعد أن تهديني طرقاً مختلفة ليمضي كلاً منا في طريق معاكس، فأحدنا سيعطي ظهره للآخر باختياره دون أن يكثر التفكير في ما بقي خلف ظهره من ركام إنسان، لذلك كنت ألهث كل ثانية معكِ، أحاول أن أنتهز كل فرصة تمنحها الظروف لي كي أكون بجانبك، وكان لدي رغبة بتعطيل كل منبهات العالم كي أقضي عل كل رنين قد يوقظني منكِ، والتخلص من كل ضجيج يحرمني منكِ برغم يقيني أن كل منبهات الحب تدق بلا توقيت، ولكن لكل شيء نهاية والموت النهاية العظمى لكل الأشياء، وفي الحب الموت هو النهاية الأرقى برغم قسوتها، والموت نهاية لا أريدها ختام حكايتي معك، أو على الأقل ليس الآن لأكتفي منكِ ولو خيالاً، فمازال لكي في جعبتي من الحب الكثير وأجهل أي قدر مبصر يأخذني إلى طريقك، يقودني كالأعمى إليكِ، يخلع عني حذائي ويجعلني أسير على طريقك الزجاجي المتكسر حافي القدمين، ولا أعرف أن أعود لأني أضعت منذ أن رأيتك خارطة طريقي، أصبحت كالممسوس بكِ، أقرأ آيات الله على قلبي كي أحرقكِ بي، فلا داخلي ولا خارجي يتسع لكِ، وأخلف حولي وخلفي الكثير وأتجه نحوكِ، متجاهلاً كل الأصوات فلا طاقة لي بصوت يوقظني منكِ، أخبرتك سابقاً أن عمر الذاكرة أطول من عمر الأحلام وسينتهي الحلم يوماً وستبقى الذاكرة، فاختبئي في أقصى مكان في ذاكرتي وتعمقي بي، فبعض الوجوه نحبها كثيراً، نفتقدها ونحن إليها كثيراً، لكننا لا نملك حيالها سوى النسيان حين تكون الذكرى حجر عثر في طريق العمر.

أصبحت في حالة هذيان بكِ تعريني أمام الأصدقاء، الذين أدين لهم بكل سعادة مررت بها من بعدك، فقد كانوا صبورين عليَ لأقصى حد وطيبين جداً، إذا كان ثمة من أنقدني من انهياري وأخرجني من وحدتي فقد كان هم، فمعهم اقتربت أخيراً من باب الخروج من كهف حكايتك، فبعض النور بدأ يتسلل إليَ وأظنني على بعد خطوات قليلة منه، وكأني أستيقظ الآن من حلم ليلة طويلة، فأحلامنا هي التي تمتد بنا وليس الليالي، فبعض الأحلام ليلة وبعض الليالي حلم، أفتح عيني الآن بلا ضجيج وبلا رنين، فلم يعبث أحد بمنبه أمني فأنا استيقظت بلا رنين، لأكتشف خديعة الشتاء ووهم البرد والمطر، فالسماء لم تكن تمطر والشتاء لم يكن قارساً سوى في حكايتك، ففي الحلم عشت معك حكاية شتائية الطقوس، فقد كان المطر في الحلم يبللني فكنت ألجأ إلى الاختباء تحت معطفك وأنا أغني "قديش كان في ناس عالمفرق تنطر ناس، وتشتي الدني.."

بدأت أسمع دقات قلبي وبدأ التعب يتسلل إليَ أكثر مما أتخيل، وبدأ حزني يزداد لأنكِ أصبحتِ مجرد فكرة لمقال، عفواً أنا لا أقلل من حجمك فيَ، أنا فقط أعيد ترميم شروخ جدران قلبي، فكلنا لجأ لعالمه المفضل له، أنتِ لجأتِ للنسيان وكأن شيئاً لم يكن، وأنا لجأت للكتابة، كان النسيان عالمك الذي عشتيني فيه، وكانت الكتابة عالمي الذي عشتك فيه، وقد تتحول هذه المشاعر يوماً إلى رواية، وقد تقع الرواية بين يديكِ يوماً فتقرئيها من دون أن تدركِ أن بطلتها كانت، أنتِ.