يمكنك التنقل عبر جميع المواضيع أسفل الصفحة في الجانب الأيمن

اخفاء الشمس بغربال


نشرته بأخبار يوم بيوم
من حق كل مصري التعبير عن رأيه وموقفه من القضايا الراهنة، ومن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية وسواها، بل من واجب كل فرد إعلان موقفه مما يجري في وطنه ومجتمعه واختيار الفكر السياسي الذي يراه معبراً عنه ، وكذلك كل فصيل سياسي عليه أن يسعى إلى الارتقاء بالوعي الفردي والجمعي عبر تقديم برامج معبرة عن أحلام الناس وتطلعاتهم، بدل الانخراط في سجالات متدنية المستوى لا تخدم قضيةً ولا إنساناً، وأصبح واضحاً جداً نية كل فصيل من أفعاله، فمن يريد التعبير عن مواقفه وآرائه نجد كلامه يشبهه ويشبه برنامجه، فالكلام صفة المتكلم.
فلم يعد هناك ثوابت، ننام على أشياء ونستيقظ على منتقضاتها، والأمور اختلطت بشكل مخيف وتبادل الأدوار مرعب، ففي الكثير من مواقف الحياة باتت الرؤوس تؤدي دور الذيول، والذيول تؤدي دور الرؤوس، فأعتقد أنه حان الوقت لكي نجلس جميعاً مع أنفسنا ونستعيد المراحل التي قطعتها ثورتنا ونستعرض مشوارها القريب، لنكتشف أنها لم تعد أبداً في حاجة إلى من نصبوا أنفسهم حماتها، وأنها بلغت مكانة تستطيع الاتكال على من قاموا بها، سواعد ابناءها، فقط على سواعدهم التي فيها أضعاف أضعاف ما يمكن أن يفعله من ادعوا أنهم من قاموا بها أو من نصبوا أنفسهم حماتها.
فهناك أشخاص يموتون الآن في داخلنا عراةً من كل شيء إلا أكفان النهاية، وكأنهم يستعدون لقبر أنفسهم بأنفسهم، فحين شعروا بدنو أجلهم في داخلنا غسلوا نفوسهم وكفنوها وصلوا عليها كي يناموا في قبورهم بسلام، لكن قبل ذلك نظروا إلينا لربما نساعدهم قبل أن يفعلوا ذلك، لكن نحن نعجز عن إنقاذهم، فقلوبنا لم تسامحهم على تركهم وحدنا بالميدان كي يجمعوا الغنائم.
البعض كان يظن أنهم بحر الخير لكن اكتشفوا أنهم لم يكونوا سوى ذرة ملح ستذوب وتختفي كأنها يوماً لم تكن، والتفاحة لم تكن مسمومة لكن نية الأقزام كانت مسمومة جداً، ونحن تعودنا أن نحافظ على رموزنا الدينية والسياسية والثقافية والفنية والعاطفية قدر استطاعتنا، لكن أفعالهم بدأت تأخذنا إلى حيث لا رمز ولاكبير، وأصبحنا نشعر بأنهم ليسوا منا، فالذين ينتسبون إلى غير أوطانهم الحقيقية سيشعرون بكل شيء إلا الانتماء، ومن أشد مسببات الشعور بغربة الزمن هو إحساسنا بأنا نحيا في زمان متشابه الأحداث وكل ما فيه متكرر، فنغالط إحساسنا بهم كثيراً ونغض أبصارنا على الكثير من سوادهم ونحاول من أجل الاحتفاظ بهم إخفاء الشمس بغربال.
لكن مصر هي مصر وشعبها هو نفسه الذي صنع ثورة مباركة عظيمة، وما تراجع هو النُخب الحاكمة والسياسية والفكرية والإعلامية والمنتجة للقوانين التي صادرت ثورة الشباب ونحتهم جانباً، وأتاحت لقرود الزمن الرديء التنطح لأدوار ليست لهم، لكن من يعرف أبناء مصر جيداً ويفهم روحهم النابضة دوماً، يعرف أنهم يُمهلون ولا يُهملون ولا بد أنهم سيخرجوا مصر قريباً من محنتها، ويعيدوها رائدة العرب والعروبة.
فيا شباب مصر أكملوا الطريق للأمام مهما اشتدت رياح الفقد أمامكم، فالزمن لا يعود إلى الوراء أبداً ولا تذاكر تباع للسفر إلى الأمس، لهذا يبقى الأمس محطة في الذاكرة فقط لا نعود إليها وإن عدنا فلن نعود إلا خيالاً.

السياسيون



نشرته بأخبار يوم بيوم
نسمع كثيراً عن الهوايات المختلفة والتي منها السباحة أو المشي البطيء أو السريع أو الهرولة، وهواية الصيد سواء في البرية للطيور والحيوانات أو في الأنهار والبحار للأسماك، وعندما نتمعن في أي نوع من الهوايات نجد ممارسيها يتحدثون عنها بشغف، ولديهم معلومات كثيرة تشعرنا بأنهم متخصصون وليسوا هواة، إلا أن الهواية التي أجد بعض من الأشخاص يمارسونها، هي هواية الثرثرة أو الاشعات، حيث كثرت في الآونة الأخيرة ومع انطلاق التحضير للإنتخابات الرئاسية، والحراك في معظم المحافظات والنقاشات والسجالات والاتهامات المتعلقة بمواقف المرشحين من تصريحات وغيرها.
شخصياً لا أميل إلى التخوين في التعامل مع الآخرين وإطلاق الأحكام جزافاً، وتسويد وجه فلان وتبيض وجه علان، لكنني في الوقت نفسه أؤمن بأن السياسي الحقيقي والصادق، والذي يكتب له العمر الطويل في السياسة، هو من يعبر عن وجدان الناس وعن آلامهم وآمالهم وتطلعاتهم المشروعة نحو الحرية والعدالة الاجتماعية، وبأن السياسي الذي يستحق حمل صفة سياسي، من يكون ضميراً وصوتاً ناطقاً بشؤون الناس وشجونهم.
وما من وسط يخلو من الانتهازيين والوصوليين والنفعيين، وهؤلاء لا يستحقون صفة سياسيين، إلا إذا سمينا الحذلقة والازدواجية سياسة، فهناك من يتبع مصالحه الخاصة وأهواءه الذاتية جداً، فلا يعود قادراً على رؤية الصورة إلا من خلال مصالحه الشخصية، وهذا الصنف لا ينطلق في مواقفه من قلة وعي أو سذاجة وعفوية، بل من إدراك عميق لما يفعل ولحاق غير أعمى بالجهة التي تؤمن له تلك المصالح، لكن المفجع أحياناً هو مهاجمة وافتراء الكذب على اشخاص كانوا على مدى سنوات طويلة وما زالوا، قيمة رمزية ومعنوية وأخلاقية لأبناء بلدهم ووطنهم ومحبيهم.
لذلك ارى أن المعرفة بالحقائق والاطلاع عليها، هي الوسيلة الأنجح لتمييز الصواب من الخطأ، إذ إن السياسي متى كان ملماً بالحقائق استطاع إدراك ما يجري من حوله وفهم التحولات البديهية التي تصيب بعض الافراد، فالسياسة الحقة وليس ادعاء السياسة، تجعل السياسي قادراً على الحديث الجيد لا أمام الكاميرات فحسب، بل في الحياة برمتها.
إن السياسي الحقيقي هو الذي يحافظ على على الصفوف، ويستخدم العلم السياسي لفهم الناس وإقامت الدليل الناطق العملي، حتى يجعل الشخص الآخر أو القوى الآخرى قادرة على فهم الناس الذين حولها، فالسياسي الحقيقي يتحلى بصفات الصبر والمسابرة والدفاع عن كل السياسين الموجودين في الخندق وليس اثارة الشكوك والافتراءات، إن مثل هذه الأشياء تفيد القوى التي تريد تفكيك أي قوى تكشف أسباب أو متاعب هذا الشعب.
لذلك أجد أن العمل وعدم الرد على الاشاعات، هو الحصن المنيع الذي يجعل صاحبه قادراً على سد الثقوب في وجه رياح السموم، حيث رأيت مواقف وهجوم من البعض، منطلقة من قلة الوعي والإدراك والسذاجة في قراءة الواقع، انطلاقاً من مصالحهم الشخصية ووعيهم الانتهازي، وفي الحالين، لا أنصب نفسي قاضياً، ولا أعطيها الحق في توزيع شهادات الشرف أوالعار على هذا أو ذاك، فقط أحاول تحليل الموقف وتوصيفه، مع تأكيد انحيازي إلى السياسي المعبر عن وجدان الناس وهموم الإنسان سواء أكانت فردية أم جماعية.

صدفة لقاء




كل أصدقائي كبروا إلا أنا! هل يُداخلكم هذا الشعور؟ فتشاهدون الزمن على وجوه أصدقائكم بوضوح أشد مما هو على وجوهكم! تُرى هل تخدعنا أعيننا أم تُجنبنا صدمةً ما؟
زففت أصدقائي إلى بنات أحلامهم صديق صديق، وحملت أبناءهم بين يدي، وبقيت على وعدي لها لكن كان بالنسبة لها ككلمات من هواء كتبت في الفضاء ليس لها صوت ولا صورة ولا وطن.
بي من الحنين ما يجعلني أفكر في طرق باب فيروز، أو زيارة قبر نزار قباني، أو التجول في شوارع القاهرة أيام أفلام الأبيض والأسود حيث كان عبد الحليم يوماً، فعندما أحببتها كنت لا أعلم أنه سيكون هناك مرحلة زمنية تسمى الفراق، لكنني لم أكن أعلم أنها المرحلة التي يضطر فيها الميت لتمثيل دور الحي بكل طقوسه، فالأيام تنهي كل شيء في العمر، الطفولة والصحة والرفاق، وأحياناً المبادىء والقيم، لهذا ما عادت الثوابت ثوابت.
فقد أكسبني رحيلها عادة سيئة وأورثني وسوسة مقلقة، فمنذ أن رحلت وأنا أبحث في كل شيء مغلق أراه أمامي علني أجدها في داخله، وأعبث في الرماد علني أعثر على قطعة نار أعيد بها إشعال الحكاية معها لكنها أطفأت كل ناري وتركتني لبرد العمر ولم تخلف لي سوى الرماد الذي ملأ فم الحكاية وعينيها، صنعت لها من جلدي معطفاً يقيها برد العمر، فمضيت بالمعطف وتركتني لبرد الطريق مكشوف الجلد، فيا ترى أمازال معطفي يمنحها الدفء.
عندما كنت أختلق الأحاديث كي تطيل البقاء أمامي أنا لم أكن أراهق، انما كنت أجاهد كي يقف الزمن في حضرتها، طال غيابها والأماكن التي كانت تشتاق إليها تعدت الشوق بمراحل وأمست كلها تبكي عليها، واكتشفت أن أرض الحب ليست صلبة هي رخوة أكثر من اللازم، لهذا يتساقط عليها العشاق كثيراً، وحين يتساقطون يحتاجون إلى الكثير من الوقت للنجاح في محاولة الوقوف مرة أخرى.
الآن أقف على النيل أتأمله، النيل الذي يتسع صدره لكل الأحزان، كم من الأرواح قذفت في مياه هذا النهر أحزانها دون أن تدري، وها أنذا أقذف آهاتي فيه، بعد أن انتحرت بداخلي كل أسباب الحياة.
لم يأخذها النيل مني، لكني عشت عمري كله في انتظار أن يعيدها إلي ولا أعلم لماذا حملته وزر غيابها، فوقفت على شاطئه في انتظار زورقها سنوات طويلة، ظهر العمر على وجهي وزورقها لم يظهر.
منذ سنوات وأنا أقف على الكورنيش وألمح الزورق من بعيد لكنه لا يقترب أبداً، أيكون للنيل سراب كسراب الطريق؟
منذ أيام تقابانا صدفة فنظرت لطفلتها، رأيتها تدقق النظر إلي فعرفتها بنفسي: أنا الذي أحببت والدتك يوماً بجنون.

المغادرون

نشرته بأخبار يوم بيوم 

في اللحظات الأخيرة من حياة الملكة ماري أنطوانيت، داست على قدم المكلف بإعدامها فقالت له: أسفة يا سيدي تقبل اعتذاري، وحين تقدمت مدام رولان للمقصلة وقبل أن تصعد إلى سلمها وأمامها وخلفها رجال ونساء، كل تهمتهم أنهم كانوا مقربين من بلاط لويس السادس عشر، حاول رجل أن يتخطاها لينتهي من عذاب الانتظار المؤلم، فإذا بها تمسكه من ثيابه وتزيحه عن طريقها وتقول له: أنت غير مهذب فالرجل الفرنسي يجب ألا ينسى قواعد الإتيكيت، تلك القواعد التي تفرض مرور السيدة أولاً.
 ففي لحظات الرحيل الأخيرة كان هناك ذوق واحترام، وفي لحظات الحياة العريضة نقابل أشخاصاً صادمين، يتصرفون بفظاظة وقلة ذوق، يرفعون الضغط ويستفزون الحجر، فأحياناً نكتب رواية نجعل أبطالها أحباب وأصدقاء وأقرباء، وحين نصل للصفحة الأخيرة نكتشف أنهم يختلفون كثيراً عن الواقع، وأنهم في الرواية لا يمتون للواقع بصلة ابداً، فأحياناً نعتقد أننا نعني شيء لأشخاص، ثم نكتشف أننا لا نعني لهم أي شيء وأن الشيء الوحيد الذي يعنيهم هو أنفسهم، وحين نتسامح معهم يعتقدون أنه خضوع، والتسامح ليس خضوع، إنه قاعدة كبرياء.
 فيدخل لحياتنا أشخاص نعتقد أنهم مهمين فيها، ثم يغادرنا كل واحد منهم بصدمة وتصبح حياتنا ملونة الجدران بألوان مواقفهم، لكل موقف لون مختلف وذكرى مختلفة، بعض الذكريات نحرص على ترميمها وتجديد طلائها، وبعضها ننتظر انهيار أخر بقياها، وتعود المياه إلى مجاريها في بعض الاحيان، لكنها لا تعود دائماً صالحة للشرب، هكذا هي عودة بعض الاشخاص إلى حياتنا، فلا أحد يتغير فجأة، ولا أحد ينام ويستيقظ متحولاً من النقيض إلى النقيض، كل ما في الأمر أننا في لحظة ما نغلق عين الحب ونفتح عين الواقع، فنرى بعين الواقع من حقائقهم مالم نكن نراه بعين الحب، فياعين الحب نامي.
للأسف في الفترة الأخيرة غادر من ميدان السياسة شخصيات كثيرة، ومن كثرة الذين غادروا، خُيل إليَ أن الحلبه السياسية تحولت إلى مطار وقاعة المغادرين فيه تكتظ بوجوه كثيرة وطائراته التي تقلع لا تعود، والوحشة تمزق المقاعد في قاعة القادمين، فهناك الذين غادروا بإرادتهم والذين غادروا بدون ارادتهم، فالذين غادروا بإرادتهم كلنا يعرف الأسباب لأنهم لم ولن يقبلوا أن يكونوا مجرد دمى في أيدي غيرهم، أما الذين غادروا بدون ارادتهم، فبدأو بسيل الاتهامات والادعاءات ثم مضوا في النهاية، وفي اعماقي أراقبهم ببرودة ميت، فأشعر أنهم سيحملون أحذيتهم بأيديهم وسيمضون على عجل، لن يُتح لهم الوقت لانتعالها والرحيل بكرامة، فعند الرحيل لن يحرصوا على اناقة البدايات وسيفقدوا من عطرهم الكثير، فبعض النهايات تأتي كأنثى مهملة الشعر رثة الثياب، تتصرف معنا بلا أدب وبلا أخلاق، فنادراً ما نصادف في العمر نهاية حسنة التربية.


النرجسيون

نشرته بموقع ابن البلد

الصمت نعمة، وللصمت معنى مختلف يشمل جميع المفردات التي تعبر عنها الأفواه وينطق بها اللسان، كثير من الأحيان تواجهنا شريحة من بعض الأشخاص، متطفلة تستهزىء بظرافة ولسان حالها، يتحدثون من غير تثمين المعنى والمفردة، يعبرون بإنشاءات سطحية وسخيفة، وتقتصر اهتماماتهم على أنفسهم ولا يشعرون بالآخرين وكأنهم غير موجودين، يكسون الشدة الطيب ليكسبوا منافعاً، وعند الرخاء واللين يكتسون الريبة وينكرون الجميل، كالحرباء التي يتغير ويتبدل لونها كل حين، فهم يجبروننا على أن نؤمن إيماناً تاماً بأن لا أحد يستحق بياض قلوبنا، ولا يستحقون أن نستهلك بياضها في سبيل إرضائهم، لأنهم حتى لو قدمنا لهم عيوننا فسيتهموننا بأنا ألصقنا أعيننا بهم فقط كي نتجسس عليهم.

فحب النفس الذي لا يبالي بالغير، مرض نفسي في تراكمات جرعات الحقد وحقن الكراهية، فهناك أشخاص عندما يشعرون بقلة وضعف أنفسهم وعدم قدرتهم على كسب الطموح، يسعون ويبادرون إلى تحطيم كل ماحولهم معنوياً وجسدياً ليكونوا هم الأفضل، فيروس النفس والأنانية مرض من الأمراض المزمنة التي يصعب علاجها، فكلنا نعرف الأنانيون الذين لا يحبون إلا أنفسهم، ونعرف طبعاً قصة زهرة النرجس في الأساطير اليونانية، والتي من اسمها أخذ لفظ "نرجسي" للغة العربية، وتعني الذي لايحب إلا نفسه، ولا أقول أن الأناني هو من يحب نفسه، بل أقول الذي لا يحب إلا نفسه، لأن حب النفس أمر مطلوب ومهم، ويجب على كل إنسان أن يحب نفسه ولكن عليه أيضاً أن يحب الآخرين معه.

والأنانية في الحياة السياسية قرينة تتصل ببعض الأشخاص، سماتها مصلحتهم الشخصية بالمعنى الضيق، أي لا همَ له إلى اقتناص الفرص وتشويه أي شخص كان جاد، أو كل مخلص لحقائق علمية أو اجتماعية أو انسانية، وأيضاً من سماتهم الادعاء كذباً على من يخالفهم خصالهم الرديئة، أو يتوهمون ويبالغون في امكانياتهم الشخصية لحد الكذب، ومن صفاتهم أيضاً أنهم منافقون لا يظهرون قدرتهم إلا في ظل أسيادهم، وهناك مثل شعبي يقول: "كالجوارب لا تظهر قيمتها إلا في أرجل من يلبسونها" فيترعرعون بين الطحالب والأعشاب المتسلقة التي من بني طينتهم، ويمكن أن يعقدون معهم حلفاً لتحقيق الأهداف المشتركة، ولوضع استراتيجية في إقصاء الأعداء والقضاء عليهم بشتى الوسائل من الوشاية حتى الشائعة، والأعداء هم جميع من ليسوا في حلفهم، ويموتون من نجاح الآخرين ويشتاطون غيظاً وكمداً حين يمدح شخص ما أعداءهم، والغريب في الأمر أنه لم يكن لهم أعداء سوى نظام راحل، ومن بعده خلقوا أعداءهم بأنفسهم لأنفسهم، وبدأوا في محاربتهم وهم سيخسرون في النهاية، فهذه النوعية من النرجسيون الحاقدون، لا يحرقون ويدمرون إلا أنفسهم.

وظاهرة النرجسيون هي ظاهرة عالمية وزمانية، حيث نراهم في كل مكان وزمان، فحب الذات يخدعهم ويعمي أبصارهم، والأنانية سراب الضعفاء، وكذلك نصف المصائب من صنع الأنانيون، فقد قال بسمارك "الأنانية تولد الحسد، والحسد يولد البغضاء، والبغضاء تولد الاختلاف، والاختلاف يولد الفرقة، والفرقة تولد الضعف، والضعف يولد الذل، والذل يولد زوال الدولة والنعمة وهلاك الأمة"

ومن بعض الأقوال عن النرجسيون الأنانيون:

حاربوا أنفسكم وحاربوا الأنانية.

الأنانية كريح الصحراء تجفف كل شيء.

تولد السعادة من حب الغير، ويولد الشقاء من حب الذات.

لن نعيش في جلباب غبي

نشرته بأخبار يوم بيوم

عندما تتحول الحياة في أعيننا إلى مجرد مسرحية نتابعها من منصة الجمهور فنحن نكون قد خرجنا من نطاق الحياة تماماً واكتفينا بالمتابعة في انتظار المشهد الأخير واسدال الستار، فالبعض أصبح كل شيء مباح لديهم من غدر وغش ما دام يخدم مصالحهم، وهذه النوعية هم الظلاميون يشوهون كل ما هو حر وخلاق، وخارج عن سرب التفاهة والنفاق والازدواجية، يطلقون حملات التشويه والتنكيل لتدمير الحرية، يدافعون عن العفة والقيم والعفة والقيم منهم براء، ملوحين بحجة حماية الدين والعادات والتقاليد، ولا يعرفون من الشرف والكرامة والأخلاق سوى ما هو ظاهر منها، هم سارقو الثورة وحريتنا المدنية، سارقو العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية، هم مشوهو وقاتلو المستقبل والمدنية، قادرون على التلون وكسب مؤيدين يسيرون في ركابهم، وإن لم يطلهم من الخير وإن كان خيراً سوى الفتات.

"اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون" كل الأحداث تنبىء باقتراب الحساب ومع هذا مازلنا نمر عليها ونعرض، سامح الله البعض على ما اختاروا، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم وقد كانوا الشر الذي أحببه البعض، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وسيكونوا فراقهم الخير الذي كرهوه، فنحن على يقين بأنهم لا يملكون مفاتيح الجنة ولا تصريح دخولها، لأننا على يقين أننا نملك من حُسن الظن بالله ما يخولنا لدخولها.

فهل ترون الثورة قد غيرت شيئاً في بعض الدول العربية التي اجتاحها الربيع العربي؟ بالنسبة لي المشهد لا يزال متشابهاً إنما الأمل في الغد كبير، لكن بقايا النظام يهددون أحلام ثورتنا بقولهم فيما بينهم بأن أحلامنا في "المشمش" والدليل على ذلك بأن المجلس العسكري يرسم لنا مواسم المشمش كعصا سحرية تبث روح الممكن في جسد المستحيل، تُرى متى سيأتي موسم المشمش كي نحقق فيه كل أحلام ثورتنا التي قالوا إنها لن تتحقق إلا في المشمش.

أصبحنا نحتاج إلى ميكروسكوب دقيق كي نتمكن من رؤية الأرواح القديمة بأحجامها الجديدة، فلم يعد الكون ذلك الشيء الضخم، تضاءل كثيراً وأصبح الكثير من عمالقة السياسة والدين والفن أقزاماً، ففي زمن مستجد لم تتضح ملامحه بعد، هناك خشية كبرى من استبدال القمع السياسي بقمع فكري واجتماعي، الأمر الذي لا يهدد فقط الوافدين إلى كراسي السلطة بخسارة مواقعهم سريعاً، لأن الشعب لن يصبر عليهم ثلاثين عاماً جديدة، ولأن الجميع بات يدرك الطريق إلى الميدان، بل يهدد بإغراق البلاد والجميع بانشطارات وتصدعات تعيدنا أسوأ مما كنا ومما ثرنا ضده وعليه، ما نريده مساحة واسعة من الحرية الراقية، لأن نهضة الشعوب تبدأ بالحرية، ومن حق الجميع التفكير والتعبير والتنوع، لأن الأحادية والهيمنة مثل الفردانية وحكم الشخص الواحد.

فالذي يدخل من الباب يستحيل أن يخرج من النافذة إلا إذا كان دخوله من الباب بحثاً عن نافذة ما وغالباً ما يرحل صغيراً، والذي يدخل من النافذة يستحيل أن يخرج من الباب إلا إذا كان دخوله من النافذة بحثاً عن باب ما، وغالباً ما يرحل كبيراً، فهناك اناس في النظرة الأولى إليهم نراهم طويلي القامة، نراهم عمالقة ذو هيبة وحضور، وحين يغيبون عنا نرفع رؤوسنا عالياً كي نبحث عنهم في السماء، وعند النظرة الأخيرة إليهم تتغير كل المقاييس، فنراهم قصيري القامة وربما أقزاماً يبحثون في غابات الحياة عن بياض الثلج، وحين نفتقدهم نخفض رؤسنا كثيراً لكي نبحث عنهم، ونندهش كيف غادرونا وهم أقصر قامة، وأي قدرة على التلاعب بالأحجام فنراهم قبل الفراق أكبر مما يجب، ونراهم بعد الفراق أقصر مما يجب.

فهل شعر المجلس العسكري بعد ادعائه بالانحياز للثوار بمرارة الثورة، وهل أصابت فيه أشياء في مقتل؟ وهل مر عليه من إقصاء البعض عن وجودهم في لجنة وضع الدستور الجديد وما يحصل للمعتصمين من ضرب وسحل وإهانة وقتل وتبرئة متهمين ثبت ادانتهم مرور الكرام؟ تماماً كما تمر الكثير من المواقف والعبارات على الجاني مرور الكرام؟ فالقاتل آخر من يتسع وقته للإنصات إلى صوت الضحية، والقاتل آخر من يسمع صوت الضحية وآخر من يمنح حق الكلمة الأخيرة لها، فالتاريخ لا ينصف الضحايا كثيراً، فهو يسجل اسم الجاني وتتناقله الأجيال كصك خلود دنيوي، بينما لا يتوقف التاريخ كثيراً لذكر اسم الضحية، فكم من وفي مات ولم يذكره التاريخ، وكم من خائن كُتب له في التاريخ بعد مماته حياة أخرى، فلماذا يكون التاريخ أحياناً أشد وفاءً للخائن منه للمخلص!

فإلى من يجلسون على عرش المجلس العسكري: الأخلاق صفة تلازم أي ثائر، فلا تحولوا الثوار إلى سفاحين لا فرق بينهم وبين البلطجية، ولا تكونوا عوناً لأحد في إقصاء أحد، وإن اللبيب هو من يملك نظرة بعيدة، وإن الأمور بخواتمها، فهل دام عرش غير عرش الله سبحانه وتعالى؟

أما أنتم يا شركاء مجلس الـ 19 وأصدقاءهم اليوم، لا تقلقوا على أحذيتكم عند الوداع كثيراً، فالذئاب لا تنتعل الأحذية، وما عاد أحد يرحل بخُفي حنين، سترحلون حتى وإن كان في حوزتكم الكثير من أحلامنا والكثير من أماننا والكثير من ثقتنا بالآخرين.

فكما يقول تشالز ديكنز"نحن نقوم بصناعة الأغلال التي نرتديهاهناك أيضاً قولاً للكاتب محمد الماغوط "التشاؤم الصادق خير من التفاؤل الكاذب، كما أنه كلما اشتد اللون الأسود في حياتنا علينا أن نتفاءل أكثر، أتدرون لماذا؟ لأن القادم هو الفجر".

ملاحظة: اقتبست عنوان مقالي من عنوان مقال للكاتب الأردني الدكتور محمد حباشنة.