يمكنك التنقل عبر جميع المواضيع أسفل الصفحة في الجانب الأيمن

كيف تتدمقرط؟



نشرته بجريدة زهرة التحرير وأخبار يوم بيو

إن ركزنا على الواقع الديمقراطي العربي والأسباب التي تدفع إلى تعثر المشروع الديمقراطي، فسنجد أن الفكرة المهمة التي نفتقدها تتمثل في إمكانية تحقيق وجود فعلي للديمقراطية في العالم العربي، ودراسة شروطها وكيفية ممارستها على أرض الواقع .
تقدم الديمقراطية أو تراجعها في العالم العربي في فترة زمنية مايتوقفان على تحليل سياقين معينين: الأول جدلية الهبوط والصعود بما يفسر التقدم النسبي للديمقراطية أو تراجعها في العالم العربي، والثاني دور العصبية القبلية.
غياب التفسير وتضخم دور العصبية القبلية يؤديان إلى عدم توافر الشروط المؤدية إلى قيام عقد اجتماعي بين المواطن والدولة، بسبب العصبية الدينية حيناً والعصبية القبلية حيناً آخر، يبدو هذا واضحًا إذا سلطنا الضوء على الانتخابات الحالية التي أعتبرها منقوصة لأنها لا تتأسس على قواعد العملية الديمقراطية الحقيقية التى تعترف بالمعارضة والرأي الآخر كشريك في السلطة، حيث إن أغلبية الأنظمة السياسية والطبقة الحاكمة في العالم العربي تستخدم مقدرات الدولة بهدف البقاء في الحكم ولا تعترف بالاختلاف السياسي.
إذن فالعقبات التي تقف في وجه بناء الديمقراطية في العالم العربي ومناقشة النظريات الغربية مثل (الفردية، ودور المجتمع المدني، وحيادية الدولة...) كمنطلقات غربية يسعى الغرب إلى فرضها على المجتمعات العربية، هذه العقبات تبدو واضحة تمامًا فى سلوك الفكر الاستشراقي الغربي الذي يتناول مفهوم الديمقراطية في العالم العربي من أجل إرساء قواعد جديدة في هذا الإطار، فالجهد الغربي المفروض على العالم العربي لم يؤدِّ إلى تأسيس الحكم الديمقراطي لأنه لا يأخذ في الاعتبار خصوصية الحالة العربية، ومثال على ذلك نموذج العراق بعد الاحتلال الأمريكي، فالمحاولات الأمريكية التي سعت لتدشين الديمقراطية في العراق خصوصاً، وفي الشرق الأوسط عمومًا، تحت مسمى مبادرة الشرق الأوسط الجديد، لم تنتج ديمقراطيات حديثة، ما جعل الانتقال إلى الديمقراطية ظاهرياً وليس فعليًّا.
أما عن تقبل المجتمعات العربية للديمقراطية، أو بمعنى أدق كيف تتدمقرط دول العالم العربي من خلال الانتخابات التي توصف بالديمقراطية، فإنها للأسف عملية ديمقراطية في الشكل تخفي نوعاً من الديكتاتورية العميقة داخلها، خصوصاً أن الطبقة السياسية للأنظمة السابقة تعيد إنتاج نفسها، مستغلة أن جزءاً كبيراً من الجمهور العربي لا يملك الوعي الكافي في هذا المجال.

وحدهم اللصوص ينجحون



نشرته بأخبار يوم بيوم في يونيو 2012

أخشى أن يأتي زمان يمتحن فيه الجيل بمفهوم الكرامة والعروبة والوطنية والوطن، فتبقى خانات الإجابات فارغة.. أمام منزلي شجرة انحنت وماتت مائلة، حتى الشجر أمسى لا يموت واقفاً في زمن كسر الكثير من القامات، فأحياناً يأتي الحزن على غير ما نشتهي، فهناك من يصنعون الأحزان للبشر أكثر مما يصنعها القدر، وهناك من تكون مواقفهم كالفنار للسفن في ليلة مظلمة، نستهدي بهم إلى شط الأمان، وهناك من يحفرون في ذاكرتنا مواقفهم بيديهم، فتكون لهم الكهوف المحصنة في ذاكرتنا.

فكل ثوار يخربون ويأذون الغير يفقدون ثوريتهم وإنسانيتهم، وكل سلطة تقتل شعبها تفقد شرعيتها وإنسانيتها، فجميع السلطات تقوم باسم الإنسان ولأجله، ومتى حولت الإنسان إلى ضحية ومجرد عدد، سواء أكان في صناديق الاقتراع أم صفحات الموتى، فإنها تفقد الشرعية الإنسانية والأخلاقية، ولا يعود سلوكها مختلفاً عن أي إجرام آخر، فالشرفاء لا يجيدون الدخول من النوافذ وإن حاولوا يسقطون سريعاً، وحدهم اللصوص ينجحون.
الأحلام الآن تحترق ومصر كأنها امرأة مسنة تقترب من نهايتها، هذا ما أشعر به، فهل هكذا تشعرون؟ فحلمنا كثيراً ونحن في حالة جوع للفرح، فهل سيأتينا الفرح بعد أن نشبع من الحزن ويكون ليس بنا للفرح شهية، فبعض الواقع أكبر من قدرتنا على استقباله واستيعابه، فنغمض أعيننا عند مواجهته بقوة نفتحهما ونكرر، فهناك مرحلة تلي الألم تسمى مرحلة اللاتصديق، مرحلة نتمنى فيها تحويل الحزن إلى كابوس ليلة ينتهي باستيقاظنا في فراشنا، فعندما يترك أحدنا يد الآخر رافعاً راية الخذلان، يمضي الصافع باتجاه الغد ويمضي المصفوع باتجاه الأمس، فالأنقى يغادر الأطلال سريعاً.
والآن نكتب وحبر أقلامنا ممزوج بالدمع حزناً على شباب قدموا أرواحهم في سبيل حلمهم المشروع بالعيش والحرية والعدالة الإجتماعية والمساواة والكرامة الإنسانية، نبكي على ثورة كادت أن تكتمل لولا أطماع البعض وجريهم وراء السلطة، فلم نعطي صوتنا لمن قتل اخواننا ولم ولن يكون لمن تاجر بالدين.   
ما يميز الثائرون الحقيقيون عن سواهم هو مستوى وعيهم، في زمن تتراجع فيه لغة العقل وتتقدم لغة الغرائز والعصبيات، لا يملك الثائر الحقيقي سوى إعلاء شأن العقل، حتى لو كانت لغته هذه الأيام أقل  شعبية واستقطاباً من سواها، تبقى لغة العقل أشد فعلاً، حتى في مواجهة القتلة الذين لا يفرحهم شيء مثل فرحهم بجر خصومهم إلى ملعبهم ووسائلهم وأساليبهم الحقيرة والمدانة، من افتعال الفوضى والشرذمة والخراب، ومن هنا الرهان على الثوار أنهم سينتصروا للحرية.

اخفاء الشمس بغربال


نشرته بأخبار يوم بيوم
من حق كل مصري التعبير عن رأيه وموقفه من القضايا الراهنة، ومن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية وسواها، بل من واجب كل فرد إعلان موقفه مما يجري في وطنه ومجتمعه واختيار الفكر السياسي الذي يراه معبراً عنه ، وكذلك كل فصيل سياسي عليه أن يسعى إلى الارتقاء بالوعي الفردي والجمعي عبر تقديم برامج معبرة عن أحلام الناس وتطلعاتهم، بدل الانخراط في سجالات متدنية المستوى لا تخدم قضيةً ولا إنساناً، وأصبح واضحاً جداً نية كل فصيل من أفعاله، فمن يريد التعبير عن مواقفه وآرائه نجد كلامه يشبهه ويشبه برنامجه، فالكلام صفة المتكلم.
فلم يعد هناك ثوابت، ننام على أشياء ونستيقظ على منتقضاتها، والأمور اختلطت بشكل مخيف وتبادل الأدوار مرعب، ففي الكثير من مواقف الحياة باتت الرؤوس تؤدي دور الذيول، والذيول تؤدي دور الرؤوس، فأعتقد أنه حان الوقت لكي نجلس جميعاً مع أنفسنا ونستعيد المراحل التي قطعتها ثورتنا ونستعرض مشوارها القريب، لنكتشف أنها لم تعد أبداً في حاجة إلى من نصبوا أنفسهم حماتها، وأنها بلغت مكانة تستطيع الاتكال على من قاموا بها، سواعد ابناءها، فقط على سواعدهم التي فيها أضعاف أضعاف ما يمكن أن يفعله من ادعوا أنهم من قاموا بها أو من نصبوا أنفسهم حماتها.
فهناك أشخاص يموتون الآن في داخلنا عراةً من كل شيء إلا أكفان النهاية، وكأنهم يستعدون لقبر أنفسهم بأنفسهم، فحين شعروا بدنو أجلهم في داخلنا غسلوا نفوسهم وكفنوها وصلوا عليها كي يناموا في قبورهم بسلام، لكن قبل ذلك نظروا إلينا لربما نساعدهم قبل أن يفعلوا ذلك، لكن نحن نعجز عن إنقاذهم، فقلوبنا لم تسامحهم على تركهم وحدنا بالميدان كي يجمعوا الغنائم.
البعض كان يظن أنهم بحر الخير لكن اكتشفوا أنهم لم يكونوا سوى ذرة ملح ستذوب وتختفي كأنها يوماً لم تكن، والتفاحة لم تكن مسمومة لكن نية الأقزام كانت مسمومة جداً، ونحن تعودنا أن نحافظ على رموزنا الدينية والسياسية والثقافية والفنية والعاطفية قدر استطاعتنا، لكن أفعالهم بدأت تأخذنا إلى حيث لا رمز ولاكبير، وأصبحنا نشعر بأنهم ليسوا منا، فالذين ينتسبون إلى غير أوطانهم الحقيقية سيشعرون بكل شيء إلا الانتماء، ومن أشد مسببات الشعور بغربة الزمن هو إحساسنا بأنا نحيا في زمان متشابه الأحداث وكل ما فيه متكرر، فنغالط إحساسنا بهم كثيراً ونغض أبصارنا على الكثير من سوادهم ونحاول من أجل الاحتفاظ بهم إخفاء الشمس بغربال.
لكن مصر هي مصر وشعبها هو نفسه الذي صنع ثورة مباركة عظيمة، وما تراجع هو النُخب الحاكمة والسياسية والفكرية والإعلامية والمنتجة للقوانين التي صادرت ثورة الشباب ونحتهم جانباً، وأتاحت لقرود الزمن الرديء التنطح لأدوار ليست لهم، لكن من يعرف أبناء مصر جيداً ويفهم روحهم النابضة دوماً، يعرف أنهم يُمهلون ولا يُهملون ولا بد أنهم سيخرجوا مصر قريباً من محنتها، ويعيدوها رائدة العرب والعروبة.
فيا شباب مصر أكملوا الطريق للأمام مهما اشتدت رياح الفقد أمامكم، فالزمن لا يعود إلى الوراء أبداً ولا تذاكر تباع للسفر إلى الأمس، لهذا يبقى الأمس محطة في الذاكرة فقط لا نعود إليها وإن عدنا فلن نعود إلا خيالاً.

السياسيون



نشرته بأخبار يوم بيوم
نسمع كثيراً عن الهوايات المختلفة والتي منها السباحة أو المشي البطيء أو السريع أو الهرولة، وهواية الصيد سواء في البرية للطيور والحيوانات أو في الأنهار والبحار للأسماك، وعندما نتمعن في أي نوع من الهوايات نجد ممارسيها يتحدثون عنها بشغف، ولديهم معلومات كثيرة تشعرنا بأنهم متخصصون وليسوا هواة، إلا أن الهواية التي أجد بعض من الأشخاص يمارسونها، هي هواية الثرثرة أو الاشعات، حيث كثرت في الآونة الأخيرة ومع انطلاق التحضير للإنتخابات الرئاسية، والحراك في معظم المحافظات والنقاشات والسجالات والاتهامات المتعلقة بمواقف المرشحين من تصريحات وغيرها.
شخصياً لا أميل إلى التخوين في التعامل مع الآخرين وإطلاق الأحكام جزافاً، وتسويد وجه فلان وتبيض وجه علان، لكنني في الوقت نفسه أؤمن بأن السياسي الحقيقي والصادق، والذي يكتب له العمر الطويل في السياسة، هو من يعبر عن وجدان الناس وعن آلامهم وآمالهم وتطلعاتهم المشروعة نحو الحرية والعدالة الاجتماعية، وبأن السياسي الذي يستحق حمل صفة سياسي، من يكون ضميراً وصوتاً ناطقاً بشؤون الناس وشجونهم.
وما من وسط يخلو من الانتهازيين والوصوليين والنفعيين، وهؤلاء لا يستحقون صفة سياسيين، إلا إذا سمينا الحذلقة والازدواجية سياسة، فهناك من يتبع مصالحه الخاصة وأهواءه الذاتية جداً، فلا يعود قادراً على رؤية الصورة إلا من خلال مصالحه الشخصية، وهذا الصنف لا ينطلق في مواقفه من قلة وعي أو سذاجة وعفوية، بل من إدراك عميق لما يفعل ولحاق غير أعمى بالجهة التي تؤمن له تلك المصالح، لكن المفجع أحياناً هو مهاجمة وافتراء الكذب على اشخاص كانوا على مدى سنوات طويلة وما زالوا، قيمة رمزية ومعنوية وأخلاقية لأبناء بلدهم ووطنهم ومحبيهم.
لذلك ارى أن المعرفة بالحقائق والاطلاع عليها، هي الوسيلة الأنجح لتمييز الصواب من الخطأ، إذ إن السياسي متى كان ملماً بالحقائق استطاع إدراك ما يجري من حوله وفهم التحولات البديهية التي تصيب بعض الافراد، فالسياسة الحقة وليس ادعاء السياسة، تجعل السياسي قادراً على الحديث الجيد لا أمام الكاميرات فحسب، بل في الحياة برمتها.
إن السياسي الحقيقي هو الذي يحافظ على على الصفوف، ويستخدم العلم السياسي لفهم الناس وإقامت الدليل الناطق العملي، حتى يجعل الشخص الآخر أو القوى الآخرى قادرة على فهم الناس الذين حولها، فالسياسي الحقيقي يتحلى بصفات الصبر والمسابرة والدفاع عن كل السياسين الموجودين في الخندق وليس اثارة الشكوك والافتراءات، إن مثل هذه الأشياء تفيد القوى التي تريد تفكيك أي قوى تكشف أسباب أو متاعب هذا الشعب.
لذلك أجد أن العمل وعدم الرد على الاشاعات، هو الحصن المنيع الذي يجعل صاحبه قادراً على سد الثقوب في وجه رياح السموم، حيث رأيت مواقف وهجوم من البعض، منطلقة من قلة الوعي والإدراك والسذاجة في قراءة الواقع، انطلاقاً من مصالحهم الشخصية ووعيهم الانتهازي، وفي الحالين، لا أنصب نفسي قاضياً، ولا أعطيها الحق في توزيع شهادات الشرف أوالعار على هذا أو ذاك، فقط أحاول تحليل الموقف وتوصيفه، مع تأكيد انحيازي إلى السياسي المعبر عن وجدان الناس وهموم الإنسان سواء أكانت فردية أم جماعية.

صدفة لقاء




كل أصدقائي كبروا إلا أنا! هل يُداخلكم هذا الشعور؟ فتشاهدون الزمن على وجوه أصدقائكم بوضوح أشد مما هو على وجوهكم! تُرى هل تخدعنا أعيننا أم تُجنبنا صدمةً ما؟
زففت أصدقائي إلى بنات أحلامهم صديق صديق، وحملت أبناءهم بين يدي، وبقيت على وعدي لها لكن كان بالنسبة لها ككلمات من هواء كتبت في الفضاء ليس لها صوت ولا صورة ولا وطن.
بي من الحنين ما يجعلني أفكر في طرق باب فيروز، أو زيارة قبر نزار قباني، أو التجول في شوارع القاهرة أيام أفلام الأبيض والأسود حيث كان عبد الحليم يوماً، فعندما أحببتها كنت لا أعلم أنه سيكون هناك مرحلة زمنية تسمى الفراق، لكنني لم أكن أعلم أنها المرحلة التي يضطر فيها الميت لتمثيل دور الحي بكل طقوسه، فالأيام تنهي كل شيء في العمر، الطفولة والصحة والرفاق، وأحياناً المبادىء والقيم، لهذا ما عادت الثوابت ثوابت.
فقد أكسبني رحيلها عادة سيئة وأورثني وسوسة مقلقة، فمنذ أن رحلت وأنا أبحث في كل شيء مغلق أراه أمامي علني أجدها في داخله، وأعبث في الرماد علني أعثر على قطعة نار أعيد بها إشعال الحكاية معها لكنها أطفأت كل ناري وتركتني لبرد العمر ولم تخلف لي سوى الرماد الذي ملأ فم الحكاية وعينيها، صنعت لها من جلدي معطفاً يقيها برد العمر، فمضيت بالمعطف وتركتني لبرد الطريق مكشوف الجلد، فيا ترى أمازال معطفي يمنحها الدفء.
عندما كنت أختلق الأحاديث كي تطيل البقاء أمامي أنا لم أكن أراهق، انما كنت أجاهد كي يقف الزمن في حضرتها، طال غيابها والأماكن التي كانت تشتاق إليها تعدت الشوق بمراحل وأمست كلها تبكي عليها، واكتشفت أن أرض الحب ليست صلبة هي رخوة أكثر من اللازم، لهذا يتساقط عليها العشاق كثيراً، وحين يتساقطون يحتاجون إلى الكثير من الوقت للنجاح في محاولة الوقوف مرة أخرى.
الآن أقف على النيل أتأمله، النيل الذي يتسع صدره لكل الأحزان، كم من الأرواح قذفت في مياه هذا النهر أحزانها دون أن تدري، وها أنذا أقذف آهاتي فيه، بعد أن انتحرت بداخلي كل أسباب الحياة.
لم يأخذها النيل مني، لكني عشت عمري كله في انتظار أن يعيدها إلي ولا أعلم لماذا حملته وزر غيابها، فوقفت على شاطئه في انتظار زورقها سنوات طويلة، ظهر العمر على وجهي وزورقها لم يظهر.
منذ سنوات وأنا أقف على الكورنيش وألمح الزورق من بعيد لكنه لا يقترب أبداً، أيكون للنيل سراب كسراب الطريق؟
منذ أيام تقابانا صدفة فنظرت لطفلتها، رأيتها تدقق النظر إلي فعرفتها بنفسي: أنا الذي أحببت والدتك يوماً بجنون.

المغادرون

نشرته بأخبار يوم بيوم 

في اللحظات الأخيرة من حياة الملكة ماري أنطوانيت، داست على قدم المكلف بإعدامها فقالت له: أسفة يا سيدي تقبل اعتذاري، وحين تقدمت مدام رولان للمقصلة وقبل أن تصعد إلى سلمها وأمامها وخلفها رجال ونساء، كل تهمتهم أنهم كانوا مقربين من بلاط لويس السادس عشر، حاول رجل أن يتخطاها لينتهي من عذاب الانتظار المؤلم، فإذا بها تمسكه من ثيابه وتزيحه عن طريقها وتقول له: أنت غير مهذب فالرجل الفرنسي يجب ألا ينسى قواعد الإتيكيت، تلك القواعد التي تفرض مرور السيدة أولاً.
 ففي لحظات الرحيل الأخيرة كان هناك ذوق واحترام، وفي لحظات الحياة العريضة نقابل أشخاصاً صادمين، يتصرفون بفظاظة وقلة ذوق، يرفعون الضغط ويستفزون الحجر، فأحياناً نكتب رواية نجعل أبطالها أحباب وأصدقاء وأقرباء، وحين نصل للصفحة الأخيرة نكتشف أنهم يختلفون كثيراً عن الواقع، وأنهم في الرواية لا يمتون للواقع بصلة ابداً، فأحياناً نعتقد أننا نعني شيء لأشخاص، ثم نكتشف أننا لا نعني لهم أي شيء وأن الشيء الوحيد الذي يعنيهم هو أنفسهم، وحين نتسامح معهم يعتقدون أنه خضوع، والتسامح ليس خضوع، إنه قاعدة كبرياء.
 فيدخل لحياتنا أشخاص نعتقد أنهم مهمين فيها، ثم يغادرنا كل واحد منهم بصدمة وتصبح حياتنا ملونة الجدران بألوان مواقفهم، لكل موقف لون مختلف وذكرى مختلفة، بعض الذكريات نحرص على ترميمها وتجديد طلائها، وبعضها ننتظر انهيار أخر بقياها، وتعود المياه إلى مجاريها في بعض الاحيان، لكنها لا تعود دائماً صالحة للشرب، هكذا هي عودة بعض الاشخاص إلى حياتنا، فلا أحد يتغير فجأة، ولا أحد ينام ويستيقظ متحولاً من النقيض إلى النقيض، كل ما في الأمر أننا في لحظة ما نغلق عين الحب ونفتح عين الواقع، فنرى بعين الواقع من حقائقهم مالم نكن نراه بعين الحب، فياعين الحب نامي.
للأسف في الفترة الأخيرة غادر من ميدان السياسة شخصيات كثيرة، ومن كثرة الذين غادروا، خُيل إليَ أن الحلبه السياسية تحولت إلى مطار وقاعة المغادرين فيه تكتظ بوجوه كثيرة وطائراته التي تقلع لا تعود، والوحشة تمزق المقاعد في قاعة القادمين، فهناك الذين غادروا بإرادتهم والذين غادروا بدون ارادتهم، فالذين غادروا بإرادتهم كلنا يعرف الأسباب لأنهم لم ولن يقبلوا أن يكونوا مجرد دمى في أيدي غيرهم، أما الذين غادروا بدون ارادتهم، فبدأو بسيل الاتهامات والادعاءات ثم مضوا في النهاية، وفي اعماقي أراقبهم ببرودة ميت، فأشعر أنهم سيحملون أحذيتهم بأيديهم وسيمضون على عجل، لن يُتح لهم الوقت لانتعالها والرحيل بكرامة، فعند الرحيل لن يحرصوا على اناقة البدايات وسيفقدوا من عطرهم الكثير، فبعض النهايات تأتي كأنثى مهملة الشعر رثة الثياب، تتصرف معنا بلا أدب وبلا أخلاق، فنادراً ما نصادف في العمر نهاية حسنة التربية.