يمكنك التنقل عبر جميع المواضيع أسفل الصفحة في الجانب الأيمن

لكل مقام مقال





  
نشرته بأخبار يوم بيوم والكرنك والمواطن

نكتب لنزرف مشاعرنا كما نبكي فنزرف دموعنا، كما نبحث لنكتشف العالم، فالكتابة ليست أدبا،ً  ليست علماً، ليست مهنة، وليست هواية، إنها حاسة أخرى تجتمع فيها كل الحواس، فبالكتابة نسمع ونرى، بالكتابة نتذوق ونشم، بالكتابة نلتمس الأشياء والمشاعر بالحواس الخمس، نعرف كل الأشياء، نعرف أنفسنا، نعرف عوالمنا التي تعيش داخلنا والحياة النابضة في كياننا، نسطر بها فيض إحساس ونبضات قلب ونزف مشاعر... 

قال الأديب الراحل سعد الله ونوس: "الأسباب التي تدعو إلى الصمت أو تجبر عليه، أكثر من الأسباب التي تحفز على الكتابة والعمل، فحين يفقد الكاتب الإيمان النسبي بأنه قادر على التغبير، فإنه يفقد الدافع للكتابة"

من الصعوبات التي يواجهها الكاتب، هي محاولته تغيير نفسه وتجديدها لكي يتجاوز النقطة التي وصل إليها، وهذا الأمر صعب جداً، لأنه ربما يتحول هذا الكاتب إلى موضوع للسخرية، فإن لم يغير الكاتب نفسه ويجددها، سيموت أدبياً وهو على قيد الحياة، وإن تغير وتجدد يتعرض للانتقاد، ملخص كلامي أنه: لن تصل أفكارنا إلى الآخرين مالم نكن راضين عنها، ومن حق كل كاتب أن يمارس حقه في الاختلاف وكسر القوالب المتعارف عليها بين الحين والآخر .

بعض كتابات اليوم ومنها المقالات، سطحية وفارغة: سطحية مكشوفة برداءة التحليل والمعالجة، وفارغة تعكس خلوها من المعلومات الصحيحة، أصبحت كتاباتها باهتة بسبب التسرع في كتاباتها، لا أقصد هنا مقالات الرأي، بل تلك التي من المفترض أن تقدم خدمة للقراء، بمنحها إياهم معطيات حقيقية، فهناك مواد يتطلب الحصول على معلومات خاصة بها والتأكد منها، وهناك مواد تحتاج إلى ذاكرة فردية، فإن عجز الكاتب عن حصوله على تلك المعلومات أو تذكرها، فلا بائس أن يستعين بصديق يعلم ويتذكر تلك المعلومات، أفضل من الوقوع بأخطاء، فبعض الأسئلة والبحث عن الحقيقة لا يضر، فتقديم المعلومة الصحيحة واجب مهني وأخلاقي، وكم نلتقي من خلال قراءتنا بمثل هذه الأخطاء المرفوضة واللاغية للحقائق وعدم احترام أحد، فعندما يكتب الكاتب من غير أن ينتبه إلى حقائق الأمور، فهذا يعني أنه جاهل ومزور للواقع، ويسيئ لنفسه ولقرائه. 

نحن عندما نكتب لا نكتب بحبر القلم، بل نكتب بدماء القلوب، فعذراً إن ظهرت بعض الجراح على السطور .

عبقري الأدب الكولومبي





نشرته بجرائد الأهالي وأخبار يوم بيوم والكرنك والمواطن

"لو وهبني الله حياة أطول، لكان من المحتمل ألا أقول كل ما أفكر فيه، لكني بالقطع كنت سأفكر في كل ما أقوله، وكنت سأقيم الأشياء ليس وفقاً لقيمتها المادية، بل وفقاً لما تنطوي عليه معان، وكنت سأنام أقل وأحلم أكثر، ففي كل دقيقة نغلق فيها عيوننا نفقد ستين ثانية من النور، كنت سأسير بينما يتوقف الآخرون، وأظل يقظاً عندما يخلد آخرون للنوم، وأستمتع بالصمت بينما يتكلم الآخرون، كنت سأرتدي البسيط من الثياب، سأتمدد في الشمس تاركاً جسدي مكشوفاً بل وروحي أيضاً.. لو أن لي قليلاً من الوقت، لكنت كتبت بعضاً مني على الجليد، وانتظرت شروق الشمس.. يا إلهي لو كان مقدراً لي أن أعيش وقتاً أطول، لرويت الزهر بدمعي، كي أشعر بألم أشواكه وبقبلات أوراقه القرمزية، ولما تركت يوماً واحداً يمر من دون أن أقول للناس أني أحبهم جميعاً، وكنت عشت عاشقاً للحب، كنت سأثبت لكل البشر أنهم مخطئون لو ظنوا أنهم يتوقفون عن الحب عندما يتقدمون في السن، في حين أنهم في الحقيقة لا يتقدمون في السن إلا عندما يتوقفون عن الحب، كنت سأمنح الطفل الصغير أجنحة وأتركه يتعلم وحده الطيران، كنت سأجعل المسنين يدركون ان ليس تقدم العمر هو الذي يجعلنا نموت، بل الموت الحقيقي هو النسيان"
كانت هذه رسالة وداع الكترونية لجابرييل جارسيا ماركيز إلى أصدقائه وقرائه  حين أصابه المرض.

هو روائي وصحفي وناشر، ولد في 6 مارس 1927 في أراكاتاكا بكولومبيا وقضى معظم حياته بالمكسيك، بدأ كتابة قصصه الأولى حين كتب قصة رداً على الكاتب "إدواردو ثالامبا بوردا" الذي لم يكن يكف عن نعي الأدباء الشباب، وتمجيد الأدباء المسنين، فكتب قصة فوجىء بها منشورة على صفحة كاملة من جريدة "الإسبيكتادور" جعلت بوردا يقول: "بهذه القصة يظهر عبقري الأدب الكولومبي" وهكذا استمر ماركيز في الكتابة كي لا يخيب أمل بوردا فيه، وعاش وأصدر كتاب يضم جميع مقالاته، والجزء الأول من مذكراته، بالإضافة إلى رويات عدة، منها خريف البطريرك 1975ـ أحداث موت معلن 1981 ـ الحب في زمن الكوليرا 1986 ـ مئة عام من العزلة 1967 التي لم يكن يملك ثمن رسوم ارسالها للناشر بالبريد، فاضطر لأن يرسل بما يملكه من نقود نصف أوراق مسودة الرواية، وينتظر الناشر حتى يرسل له دفعة من أجره كي يستطيع دفع رسوم ارسال تتمت الأوراق، لتنال بعد مرور 15 عاما جائزة نوبل 1982 والتي بيع منها أكثر من 10 ملايين نسخة، ووضع نقود نوبل في بنك سويسري ونسيها ولم يتذكرها إلا بعد 16 عام، فاشترى بها جريدة ليحقق حلمه ويكتب فيها ما يشاء، لتحقق جريدته نجاحاً يوازي نجاح كتبه.

ماركيز كان يكتب ليكسب مزيداً من الأصدقاء، فأسس ورشة عمل بناء على طلب إحدى القنوات الفضائية، لكتابة 10 قصص مدة كل منها نصف ساعة، أعجبته الفكرة وقرر بالتعاون مع أعضاء الورشة كتابة أعمال كثيرة مختلفة، كوميدية وخيالية ومرعبة أيضاً، يبدأ العمل في طرح فكرة ويشترك الجميع في إنضاجها، ثم يكتبها صاحبها أو شخص آخر من الورشة، أكتشف ماركيز بعد ذلك أن القنوات لا تدفع جيداً، فقرر أن يتولى إنتاج هذه الأعمال بنفسه، فاشترط أعضاء الورشة أن يُكتب اسم ماركيز على كل الأعمال، فقال عن ذلك:"أنه أمر يمكن أن يكون مغرياً، لكنه أكثر ما في الوجود إذلالاً، وأنه يعني ان أحدنا تحول إلى سلعة" فقرروا باتفاق جماعي، أن يُذكر أسم كل مؤلف على كل عمل، واسم ماركيز عنواناً للورشة، وبعد نجاح الفكرة تحولت إلى كتاب بعنوان "نزوة القص المباركة" وهو قريب الشبه من كتاب إعداد الممثل لـ "ستانسلا فسكي" ومن القصص التي طُرحت للنقاش، قصة امرأة متقدمة في السن تتمتع بصحة ومظهر جيدين، ولها أبناء واحفاد وتعيش حياة هادئة، وفي أحد الأيام سلمها ساعي البريد رسالة وجدها ملتصقة بصندوق البريد، عندما جددوا صناديق البريد في القرية، مضى على الرسالة 35 عاماً، وهي من شخص أحبته ولا تزال تحبه لكنه اختفى منذ ذلك الزمن، في الرسالة حبيبها يحدد لها موعداً في مقهى معين يوم الأربعاء الساعة الخامسة مساءً، وسيغادران القرية معاً، فتُطلع أبناءها على الرسالة، وتتضارب الآراء والتعليقات بين هازىء ومتعاطف، لكنها أرملة وليس لديها ما تخسره من ذكرى بعيدة، فتقرر الذهاب إلى الموعد المستحيل بعد 35 عاماً، وهناك يكون هو منتظرها مثلما يفعل كل يوم أربعاء في الساعة الخامسة مساءً، ليثبتا أن الغرام الخالد موجود.

 ثم أعلن "جابو" كما كان يطلق عليه أصدقاؤه، عن حاجته إلى المزيد من المواهب، فهو ليس مجرد كاتب مشهور، إنما إنسان صاحب قضية، عن القصة قال: "القصص لاتبنى على القاعدة، وإنما على الاستثناءات، فالقصة تكون أكثر تشويقاً، كلما كان فيها أكبر قدر من مصادفات أصيلة وفريدة، ويجب أن تفاجىء الآخرين" وقال: "أن سلطان الصور أكبر من سلطان الكلمة، الصورة تزيد الكلمة قوة، والمهزوم الأكبر هو الصمت" ماركيز اكثر كاتب عالمي احتفى برواياته وشخصياته التي لم ينساها لحظة.

في حفل تسلمه النويل قال: "لم آت لألقي خطاباً" فقد حاول المستحيل للهروب من الصعود إلى المنصة ومواجهة الناس ولو خمس دقائق، بغرض التحدث عن تجربته الأدبية، حاول أن يمرض باحثاً عن عله ما، ثم توصل إلى حل وهو الذهاب إلى الحفلة الرسمية من غير ربطة عنق، وكانت النتيجة أنه أصبح خطيباً محترفاً.

يعتبر ماركيز أن الشخصية الأسطورية الوحيدة التي أنتجتها أمريكا الللاتينية، هي شخصية الدكتاتور العسكري في نهاية القرن، فزعماء ليبراليون كثر انتهوا طغاة مستبدين، وهو يحمد الله أن الكولونيل أوريليانو بوينديا لم يربح إحدى حروبه الـ 36 وإلا أصبح دكتاتوراً.

هو صاحب أجمل تعليق على فوزر السادات وبيجن بنوبل للسلام، حيث قال:"الرجلان اقتسما الجائزة، لكن المصير اختلف من أحدهما إلى الآخر، فاتفاقية كامب ديفيد ترتب عليها بالنسبة للسادات، انفجار بركان الغضب داخل جميع الدول العربية، فضلاً عن أنه دفع حياته ثمناً لها في أكتوبر 1981 ، وبالنسبة لبيجين، فقد كانت الاتفاقية نفسها بمثابة الضوء الأخضر، ليستمر بوسائل مبتكرة في تحقيق المشروع الصهيوني، كما أعطته الغطاء اللازم حتى يذبح بسلام 2000 من اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات بيروت.

أقوال مأثورة 7


نشرته بأخبار يوم بيوم والكرنك والمواطن

ـ الحزين ينظر وراءه والحائر ينظر حوله والمؤمن ينظر فوقه.. أنيس منصور
ـ من النادر أن نفكر فب ما نملك، بل نفكر في ما ينقصنا.. آرثر شوبنهاور
ـ كيف تسألني من أنا وأنت تجهل من أنت.. ميخائيل نعيمة
ـ لا تكن عبداً غيرك وقد خلقك الله حراً.. علي بن أبي طالب
ـ إن لم يكن لي عقل فالمال يستر حالي.. غوته
ـ من لايؤمن بالحقيقة وهو يعرفها يجعل من نفسه شريكاً في الأكاذيب.. جونسون
ـ المحبة تنتصر على كل شيء، فعلينا أن نستسلم لها.. فيرجيل
ـ هناك من يتذمر لأن للورد شوكاً، وهناك من يتفاءل لأن فوق الشوكة وردة.. جبران خليل جبران
ـ الرضا حالة خاصة بكل إنسان فإذا لم نجده في نفوسنا فمن غير المجدي البحث عنه في مكان آخر.. فرانسيس دي لاروشفوكو
ـ يشرع الناس القوانين لأنهم لا يثقون بغرائزهم.. كانت
ـ كن طيباً ولا تحاول أن تخبر أحداً بأنك طيب.. تولستوي
ـ متى أحسنت تقسيم وقتك كان يومك كصندوق يتسع لكل شيء .. جوستاف لوبون
ـ في الأمور العظيمة يتظاهر الرجال كما يحلو لهم، وفي الأمور الصغيرة يبدون على حقيقتهم .. شامبور
ـ رسالة القلب تُقرأ في العيون .. جورج هربرت
ـ الذوق ضمير الروح .. جوبير
ـ لا تسجب حكماً صادراً عن أحد لمجرد أنه يخالف حكمك فقد تكونان أنتما الاثنين مخطئين .. داندميس
ـ الإنصات هو أجمل أنواع المجاملة .. جويس براذرز
ـ لا تعتقد أن مجرد حل أنهى المشكلة أن هذا هو الحل الوحيد .. رايموند فيست
ـ بينما يجعل الحب كل شيء سهلاً، يجعل الإيمان كل شيء ممكناً .. إيفان هوبكينز
ـ أفضل أن تكون غير مؤمن على أن تكون مؤمناً بغير اقتناع .. بريجيت باردو
ـ البؤساء لا دواء لهم إلا الأمل .. وليم شكسبير
ـ أن أرى رعاياي يضحكون على بخلي أفضل عندي من أن أراهم يبكون من إسرافي .. لويس الثاني عشر
ـ هنيئاً لمن لا يتوقع أي شيء، فإن ظنه لن يخيب أبداً.. ألكسندر دوما
ـ نصف العالم لا يستطيع أن يفهم فرح النصف الآخر.. أوستن
ـ القاعدة الذهبية هي أنه لا توجد قواعد ذهبية.. جورج برنارد شو
ـ قليل من الإدراك السليم وقليل من التسامح وقليل من المرح، وسوف تندهش عندما ترى كيف استطعت أن تريح نفسك على ظهر هذا الكوكب.. سومرست جيمس
ـ أن تتخلى عن إعجابك بنفسك متعة تضاهي إقرار الناس بهذا الإعجاب.. وليم جيمس
ـ أفضل طريقة لإدخال البهجة في نفسك هي المحاولة لإدخال البهجة في نفوس الآخرين.. مارك تواين
ـ الحسد أغبى الرذائل على الإطلاق فهو لا يعود على صاحبه بأي فائدة.. إرنست هيكل
ـ إن التجاعيد تدل أين كانت الابتسامات.. مارك توين
ـ لا يوجد سجن أسوأ من الشهرة.. بيكاسو
ـ أيها الفم، إنك فوهة الجحيم.. جلال الدين الرومي           

جوهر الوجود وميزان النجاح





نشرته بالبديل والكرنك والمواطن وأخبار يوم بيوم


الكتابة تُخرج ما في أعماقنا الدفينة  في ذاتنا لتلاقي الآخرين وتعرفهم بتفاصيل في حياتنا وحياة المعنى الذي يتفاعل داخلنا باستمرار، فالكتبة هي خلاصة فكرنا ومشاعرنا وتجاربنا في الحياة، تخرج للنور كمقال أو قصة أو رواية أو قصيدة، تكون عصارة أخذ ورد وكر وفر، فيفترض من حيث المبدأ أن تقول أعمالنا شيء للآخرين، وهذا جوهر وجودها وميزان نجاحها، أما ما هذا الشيء؟ فهنا نجد أنفسنا أمام احتمالات عديدة، تكاد تكون كل واحدة منها تختص بفلان أو علان، وما تنقله الرواية إلى زيد، لن يكون حتماً ما نقلته إلى عمرو، المهم أن تنقل شيئاً ما إلى المتلقي. 

عندما تكون الكتابة فنية، أي مبتكرة وفيها مسحة من الإبداع، يكون أداؤها مهماً بقدر أهمية الفكرة، لدرجة أن الكتابة الحديثة تُقييم على أساس الأداء أو التكنيك، كما أشار الكاتب الفرنسي "سيلين" بأهمية التكنيك في العمل الأدبي.

الكتابة فكرة تتكون ثم تضمحل في الذهن وتتلاشى لتعود بعد حين في شكل مغاير وفي حلة جديدة، في كل مرة تعود الفكرة في الذهن، تأتي وكأنها جديدة تماماً، جامحة وذات إيقاع محبب إلينا، وهذا الإختفاء والظهور سواء كان يشكل جزئي أو كامل، يعني أن الفكرة أصبحت جاهزة للتنفيذ، فنبدأ بنقل ما قد اتضح لدى الذات على الصفحة البيضاء.

كم هو منهك ومؤذ التفكير والكتابة ونحن مضطربون أو مراقبون، فعندما نبدأ بالكتابة نضطرب ونفقد لحظة التجلي عندما ننتبه إلى أن هناك من يراقبنا ويحصي علينا أنفاسنا، فتفقد الذات عفويتها وسلاستها، وتأتي الكتابة ممزوجة بقالب من الشمع، بعيد عن المشاعر وخفقات القلب، كأنه مجسم جميل ومبهر، لكنه غير صادق.

ما قيل وما يقال في قصيدة أو رواية أو قصة أو مقال أو عمل مسرحي، تصنيفه يأتي من الجمهور ومن الوقت الذي طرح فيه، من امتداه في الماضي نحو المستقبل، لذلك نحن لا نقترب من الكتابة إلا ونحن عازمون على قول كل ما لدينا، فربما الصدق وراء ذلك، فالكلمة الصادقة تؤثر في سامعها، وهنا هو رائيها، أي المتلقي، فتستفزه وتحرضه أو تقنعه أو تحبذه على العمل، فينتقل نبض الكتابة كسريان الكهرباء من صانعها إلى متلقيها، فمن صفات الصدق في العمل أو القول، الإنهاض والإستنهاض، وهذا ما يكون عند المتلقي القوة والقدرة على النهوض والسير والعمل... وهذا هو الأمل في حد ذاته.

الكتابة قد تكون فكرة أو ومضة من فكرة، لكن الكتابة في جميع الأحوال هي مجموعة جمل ومفردات تَلازمها يشكل معنى ما، وهذا المعنى هو الذي يبقى ويعطي المقال أو الرواية.... جواز سفر لدخول قلب القارىء فيشعر بالكاتب، فالمشاعر هي النسيج والعطر الذي يوشح الكتابة، فالمشاعر هي النبض الذي يغمرنا حين نقرأ لكاتب صادق، هي النقلة التي تحصل لنا ونحن في حضرت ذلك الكاتب، وإذا بنا نصبح في حالة من التواصل أو ربما الحوار، أو حتى النقاش الحاد مع ذاتنا ومع ما نتصوره من خلال ما نقرأ.

منذ دخولنا عالم الكتابة ونحن نبحث عن ذاتنا، وفي البحث عن الذات نوع من البقاء، ومع الإطلاع تبين لنا أن من أراد البقاء أو سعى إليه، يحتاج إلى معرفة وإتقان وتشرب ما فعله السابقون، وبعدها تبدأ كيمياء التفاعل بين ما هو سابق وما هو معيش، وما هو متخيل وما هو ضارب في المستقبل، جيل الكتاب الذي ننتمي إليه هو نحن، الجملة التي نعبر بها يجب ان تكون نابعة مما يدور في زماننا، والتقييم عندما يتم سيكون بناء على مشوارنا بكل ما فيه من نواقص وفشل ونجاح، ولابد من القول ومن غير لف أو دوران، نحن في الكتابة كما سائر الأمور "السياسية مثلاً" إما تراثيون وإما مقلدون، وكل ما قيل ويقال عكس ذلك غير صحيح.

فرد بصيغة الجمع






نشرته بجريدة الأهالي وأخبار يوم بيوم


فقد يتبعه فقد وفراق يتبعه فراق، وحزن يتبعه حزن، لا نكاد نفيق حتى نغيب، ولا نقف حتى نسقط، ومع تكرار الفقد أصبحنا نستقبل أنباء الموت بصمت وفي داخلنا ثرثرة أحزان كثيرة، فالفقد المفاجىء أصبح سمة زمن مرعب نحياه، فنكتشف عند وداع أصدقائنا أن فكرة فراقهم ترعب أكثر من الفراق نفسه، ربما لأن وقوع البلاء خير من انتظاره، لكن يبقى أصعب أنواع الفراق فراق الموت، وأصعب أنواع البكاء بكاء الموت، وأصعب أنواع الحنين حنين الموت.. إنه الحق الذي لا نملك أمامه سوى الإيمان به، فالموت من أقوى وأصعب الأقدار، وإيماننا به لا يجنبنا الحزن عند فقدان أحبائنا، لكن هذا الإيمان يبقى كالضوء في أرواحنا، ينتشلنا مع الوقت من ظلمات الحزن ويحرص على تذكيرنا بأن هناك خلف الموت حياة أخرى قد نلتقيهم فيها يوماً، وما أكثر الأحياء الذين واصلوا الحياة بعد فقدان أعزائهم على أمل اللقاء في تلك الحياة، وكثيراً ما يتسائلون عند كل حالة موت يقومون بالكتابة عنها قريبة أم بعيدة، عندما يلفظون آخر أنفاسهم ويكونون هم انتقاء واختيار الموت، من سيكتب عنهم؟
معظم الذين أحببناهم من أصحاب الأقلام رحلوا قبلنا وكتبنا عنهم، فهل سيكتب عنا أشخاص ماعرفوا عنا سوى أقلامنا؟ فهناك أشخاص يشعرنا رحيلهم بأن صفحة من زمن جميل قد انطوت، وسقطت من شجرة الأيام ورقة، ومنهم حسين أشرف الذي بين القاهرة ولندن توفي،مدينتان اشتبكتا في رأسه، حلمان انفلتا من أمسه.. لم يكن رجلاً عادي، وقف مع الجميع وشهد تغيرات  أنصاف الرجال الخائنين، ورحيل الأصدقاء الطيبين.. لم يكن يملي على أحد رأيه، وكان يعتبر الصمت رأي الخائفين، مات في صمت وعاش في صمت، من دون أن يلمحه الطبيب ليدون له مخالفة لعدم تقيده بقراره بمنعه عن التدخين.. كان عادياً إلى ابعد حد وشيوعياً إلى أبعد حد، ويسارياً إلى أبعد الحدود.. رحل ونبأ رحيله صعق الأصدقاء، أصيب بتليف الرئة بعد أن أخطأته مئات الرصاصات.. كان مرتاحاً لما لم يتحقق وما تحقق، فهو رجل حقق بالواقع مالم يحققه غيره بالأحلام، فقد كان فرداً بصيغت الجمع.  
برحيله نضيف حزناً وجرحاً إلى قائمة جروحنا التي تفوح منها رائحة أحبتنا كحديقة مزروعة بنباتات من ذكريات، والتي كلما تفقدناها وجدناها رطبة نازفة وفيها من ملامحهم الكثير، مرعبة فكرة غياب أحبابنا عنا، حيث لا عناوين ولا رسائل ولا هواتف، فأخبارهم تنقطع عنا بمجرد أن نسلمهم للتراب ونمضي.. وداعأ.. وداعاً.. وداعاً، الأستاذ.. الصديق.. الجار.. حسين أشرف.. وداعاً.

الأسطورة






نشرته بأخبار يوم بيوم 
حين كان شاباً كان يتجول مع صديق له بالعاصمة البريطانية لندن أمام مبنى البرلمان، فقال له بشكل عابر: سيقام لي تمثال هنا يوماً ما، وتقبل الصديق هذه الأمنية على أنها مزحة غير قابلة للتحقيق، وبعد أربعين عاماً وضع تمثال له إلى جانب تماثيل شخصيات لعبت دوراً في تاريخ الأمم.

عندما يكون المرء في السجن يقابل الزمن وجهاً لوجه، ولا يوجد شيء يثير الفزع أكثر من ذلك""
هذا ما كتبه نيلسون ما نديلا على جدار زنزانته التي عاد إليها زائراً بصحبة كبار الزوار، الذين أرادوا رؤية المكان الذي قضى فيه أيام طويلة من عمرة "سجن روبن آيلاند"

" إن حياة المعتقل روتينية، تتماثل فيها الأيام حتى تختلط الأشهر بالسنوات، أي شيء يخرج عن القالب يقلق السلطات، لأن الروتين علامة من علامات حسن الإدارة في السجن، وقد كانت الساعات ممنوعة من أي نوع وكنا نعتمد على الأجراس وصفارات الحراس لمعرفة الوقت، وكان أول ما فعلته بعد اعتقالي هو كتابة تقويم على الحائط، فالإنسان إذا فقد قبضته على الوقت فقد قبضته على سلامه، إن المعتقل لا يأخذ من الإنسان حريته فقط، ولكن يحاول أيضاً أن يحرمه من هويته، فالجميع يرتدون الملابس نفسها، ويأكلون الطعام نفسه ويتبعون البرنامج اليومي نفسه، وإن الدولة المتسلطة فقط هي التي لا تسمح باستقلال المرء وتفرده"

بدأ في معارضته السياسية لنظام حكم الأقلية البيضاء فى جنوب أفريقيا عام 1942 واعتقل فى فبراير 1962 وسجن فى جزيرة روبن، وفى عام 1985 عرض عليه اطلاق سراحه مقابل إعلانه وقف المقاومة المسلحه إلا أنه رفض العرض فأصبح رمزا للحرية فى القارة السمراء، وفى فبراير عام 1990 أطلق سراحه ونال حريته بعد 28 عاما من السجن وأصبح أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا عام 1994 ونال جائزة نوبل للسلام فى نفس العام.

مانديلا لم يكن رجلاً يقول ولا يفعل، يصرح ويتراجع، يعد ولا ينفذ.. حاول أن يثني بوش الابن عن ضرب العراق لكن الأخير رفض الاستماع، فصرح مانديلا: "لن أقابله إذا جاء جنوب افريقيا، لأنه رجل مارق يرأس نظاماً مارقاً، يختلق الأكاذيب، كذب على العالم واحتل العراق.. ووفى مانديلا بوعده، فحين زار بوش جنوب افريقيا، رفض أن يقابله.. ووعد شعبه بأن جنوب افريقيا ستكون اول دولة افريقية تحصل على شرف تنظيم كأس العالم لكرة القدم، ووفى بوعده، وحين انتهت فترة رئاسته رفض الترشح لفترة أخرى ولو فعل لفاز باكتساح، لكنه لم يستسلم لإغراء السلطة والمنصب وزهد فيهم.

ولد نيلسون مانديلا في 18 تموز 1918 في ترانسكي بجنوب أفريقيا، وهو أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا، وحاز على جائزة نوبل للسلام، اعتقل لـ27 عاما بسبب نضاله ومقاومته لسياسة التمييز العنصري في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وتخرج  من جامعة جنوب أفريقيا بدرجة البكاليوريوس في الحقوق عام 1942 وانضم إلى المجلس الأفريقي القومي، الذي كان يدعو للدفاع عن حقوق الأغلبية السوداء في جنوب السنغال عام 1944 وأصبح رئيسا له عام 1951 وفي عام 1961 بدأ مانديلا بتنظيم الكفاح المسلح ضد سياسات التمييز العنصرية، وفي العام التالي ألقي القبض عليه وحكم بالسجن لمدة خمس سنوات. وفي عام 1964، حكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة التخريب.
بعد 27 عاما من السجن، أفرج عنه في 20 فبراير 1990 وفي عام 1993  حاز مانديلا على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع فريدريك دكلارك، وفي 29 أبريل 1994، انتخب مانديلا رئيسا لجنوب أفريقيا، وفي 1999 أعلن تقاعده بعد فترة رئاسية واحدة، وفي نفس العام أسس مؤسسة نيلسون مانديلا الخيرية.
تزوج مانديلا ثلاث مرات، كانت الأولى من ايفلين نتوكو التي طلقها عام 1958 وأنجب منها 4 أبناء، والثانية  ويني ماديكيزيلا، وطلقها عام 1996 والثالثة غراكا مانديلا، التي بقيت معه لأخر يوم من حياته.
وأشار مانديلا إلى أهمية العلاقة التى تربطه بسجانه السابق حيث قال أن الصداقة عززت مفاهيمى للإنسانية حتى مع الذين سجنوني.

يقول مانديلا أنه تعلم التواضع من حمار، فحين كان طفلاً يرعى الأغنام، جمح به الحمار وألقاه أرضاً، مماسبب له الألم والارتباك أمام أقرانه من الأطفال، وطبع ذلك في ذاكرته قسوة إهانة الغير والتعالي عليهم، فأمن بأن الإنسان الحر كلما صعد جبلاً وجد من ورائه جبالاً أخرى يصعدها، وأن طريق الحرية طويل ويحتاج إلى الصبر والجلد.


حديث طائرة





نشرته بالبديل وأخبار يوم بيوم والمواطن

في الطائرات والسفر الطويل هناك دائماً عبرة، يجلس اثنان متجاوران يلقي أحدهما التحية، فيرد عليها الآخر بأبرد منها، يمضي الأول الساعات الاولى مثلاً في التحديق عبر النافذة ناسياً أن الحياة بجواره..  إن ما يحتاج إليه الناس هو فرصة جيدة للقاء جيد، وعدم وجود هذه الفرصة هو وحده الذي يحول بينهم وبين أن يكونوا أصدقاء فعلاً، أو عابرين.
على مقعد ملاصق لمقعدي، في الطائرة التي ستحملنا من دبي إلى القاهرة، جلست بجواري شابة أخذت تحدق بي!
هل أنت الأستاذ أسامة...
ابتسمت وهززت رأسي بالإيجاب
عرفتك من الصورة التي ترافق مقالاتك "اترددت أسألك بس كنت متأكده من أنك انت"
وطوال الساعات الثلاث التي تلت السؤال دار بيننا حوار من أمتع ما عشته في حياتي، لم أضق ذرعاً من أسئلتها، بل أسعدني أن ألتقي أحداً يكاد يحفظ معظم تفاصيل كتاباتي، ومتابع لمقالاتي.. تحدثنا عن الكتابة وهموم عالمنا العربي، وخطورة تراجع اللغة العربية وانحسار أعداد القراء، حتى وصلنا بحديثنا إلى موضوع تتفرغ منه كل الموضوعات، وتستظل بفيئه كل الآراء "المرأة"
وكانت جارتي متحمسة لما يكتبه الأدباء العرب في وقتنا الراهن، فقلت لها: أدباء هذا الوقت كتاباتهم ممتلئة ومنفوخة بهواجسهم، بعكس ما تكتبه الأديبات، فهن يسجلن ذاكرة مجتمعهن ويدون التاريخ من داخل بيوتهن وأسرهن، وهذا هو التاريخ غير الرسمي، التاريخ الحقيقي والحميم الذي يشكل مرآة شعبها، وعلى رأس تلك الأديبات الرائعة أحلام مستغانمي، المرأة التي قد لا يجد الكاتب الرجل في نفسه الجرأة على النظر في صفحتها.
أثارها رأيي، فقالت: لقد كنا نصف الكاتبات بأنهن مشغولات بذواتهن، وبأن الرجل هو من يكتب الحياة الحقة وتفاصيلها.
أجبتها: ليست هناك قضية أكبر ولا أخطر ولا أهم في حياتنا العربية، من إشكال العلاقة بين الجنسين، فأنا مؤمن بأن حل هذا الإشكال هو الطريق لحل مشكلات الهوية والعروبة، والدين واللغة والتراجع الحضاري، وأول الطريق لتلافي خسائرنا السياسية.
عند هذه النقطة من الحديث ارتسمت على وجهها ابتسامة، فقد كانت آرائي ثورية بالنسبة لها، وأنا أعتبر نفسي ثورياً وتقدمياً،
وقبل أن ننزل من الطائرة سألتني: هل أنت متزوج؟
قلت لها: لا
ابتسمت وهي تقول: ألم تعثر المرأة المناسبة
أجبتها: عثرت عليها وأحببتها
فسألت: ومتى ستتزوجون؟
فرددت عليها: "إنها متزوجة".