يمكنك التنقل عبر جميع المواضيع أسفل الصفحة في الجانب الأيمن

سراب طريق





نشرته باليوم السابع وأخبار يوم بيوم وجريدة المواطن
عمر الدنيا أطول من عمر حكاياتنا، لهذا تموت حكاياتنا والحياة مستمرة..
كان يحبها بجنون وفرقهما النصيب، ومع هذا حضر زفافها على غيره، فسأله صديقه كيف؟
فقال: لأن إيماني بالقضاء والقدر أكبر من حبي لها.

بعد الفراق تزوجت هي وأنجبت ومازال هو يعيش على حبها، فالزمن الذي توقف عنده لم يتوقف عندها، فهي كانت أكثر منه واقعية، وهو كان أكثر منها حباً، لهذا عاشت هي وضاع هو، فربما كان عمر الحب في قلوب الذين انتهت حكاياتهم بالفشل، أطول من عمره في قلوب الذين انتهت حكاياتهم بالنجاح، فحرماننا من شيء ما يطيل فترته فينا.

كان يبحث عن مجدافين يأخذانه إلى ضفة الحلم، ويوجه صدر القارب نحو الشمس، ويحرث بالمجدافين بحر الحياة ليصل لقارتها، كان يبحث عن قشة في عاصفة وكانت هي عاصفة الحب، عن قطره في محيط وكانت هي محيط القلب، عن نجمة في الكون وكانت هي كل الكون...

كان يستوحي أشعاره منها، من ضحكاتها تمطر عليه أمطاراً من الصور الشعرية، ومن حديثها تجرفه سيول البلاغة، ومن حبها تكتمل معه الحالة الشعرية، والحب أعظم ألوان الشعر...

لكن إيمانه بالحب ذاته كان عظيماً، لهذا آمن كثيراً بنبض الحب في القلوب والدعاء بالأمنيات تحت المطر، وطلبها من الله تحت المطر بإلحاح، وتركها كالحاجة أمام باب الله وتمتم باسمها في دعاء عاجل أمام البحر في ليلة شتائية شديدة الريح والمطر، وحين فشل كان على يقين بأن الخير الذي اختارته له رحمة الله في الفشل معها أعظم كثيراُ من الخير الذي كان سيتقاسمه معها في حال النجاح.

قالبعض منا آمن بالحب كمنام يسافر به عبر قطار الزمن، ثم استيقظ على كابوس بعد فوات الأوان، ولم يسمع محطات نادته ولبى نداءتها، فاكتشف متأخراً أنه كان سكة حديد ليعبر عليه وبه الآخرين، لعربات محملة بأقارب يسترضهم، وأصدقاء يستأخهم، ولم يكن يوماً قطاراً أو ساكناً في إحدى مقصوراته، وكان كله لأجل الآخرين سكة يسافر ويودع ويلتقي به وعليه الآخرون بالآخرين، فأحياناً قلوبنا لا تستوعب أن الذين اتبعناهم على طريق العمر بعطش، كانوا مجرد سراب طريق لا أكثر، ففي رحلة الجري خلف أشياء لا تستحق، نحن في الغالب نخسر أشياء كثيرة تستحق، حقيقة تؤلمنا كثيراً حين نكتشفها بعد مواسم الحصاد.

الحب أقوى من السحر، لهذا يبطل السحر ولا يبطل الحب، فحين نلتقي بحكاية حقيقية، نندم كثيراً على ما أسلفنا من حكايات وهمية، سفكنا فيها من الصحة النفسية والعمر الكثير، لكن تاريخ الميلاد وغزو الشعر الأبيض من أشد أعداء حكايات الحب التي قد تطرق أبواب قلوبنا في وقت متأخر من العمر، فالأحلام التي تصل بعد انطفاء مصابيح العمر تعيش في الظلام وترهقنا محاولات سترها كثيراً، فالحب في آخر العمر أغلى من الحب في أوله، ربما لأن الفرصة الأخيرة دائماً أغلى من الفرصة الأولى، فأرهقت أعمارنا حكايات حب خذلتنا في منتصف الحلم والطريق، وأصبحنا نمارس الحزن حتى أصبح عادة يصعب التخلص منها، وحكايات الحب التي لا تهدف إلى الزواج هي كفتاة عابرة، تستحم وتتزين كل يوم، ومع هذا تبقى غير نظيفة، فلا تجعلوا قلوبكم سبيلاً يرتوي منه من يحب، اجعلوه مملكه يملكه فقط من تحبوا.



مع النيل




نشرته بأخبار يوم بيوم وجريدة المواطن
وقفت على كورنيش النيل أتأمله وأتأمل ما حوله، فوجدت نفسي وسط زحامه غريباً حتى عن نفسي، وأشفقت على قلبي الذي امتلأ بالأحزان، فشكيت للنيل أحزاني لأخفف عما في قلبي وأنفث أهاتي في مياهه، لكنه أعرض عني ولم يشأ أن يسمعني، فطويت الآهة في صدري وأعدت اللوعة لقلبي وأثرت السكوت.

جلست أتأمل اللوحة الساحرة الي أقامها الخالق حول ضفتيه، تلك اللوحة التي تجمعت فيها كل ما تملكه الطبيعة من مظاهر السحر والجمال، الأشجار التي تكاثفت بين أحضانه، والخضرة الفاتنة التي تتمايل مع مياهه، إن كل عاشق يرى هذه اللوحة يتخد منها نجوات أشواقه.

سبحانك ربي متعت أعين العشاق بالزهور وأنطقتها لهم بلغة الحب، وأنعشتهم بعبقها ليغسلوا قلوبهم من غبار الغريزة، وجعلت من هذا النهر جليساً لكل العشاق يؤنسهم ويناجيهم ويتأثر لأناتهم ويبعث فيهم الأمل، الأمل الذي أسمعه من تمايل الأغصان وحفيف أوراقها، يامن خلق الأمل واليأس وقدر الموت مع الحياة، يا باعث النور بعد الظلام ومخرج الفرح من الأحزان، يا من سر لطفك إحسانك، كيف أيأس وأنت ربي، كيف لا ينعشني الأمل وانت حسبي.

بعد قليل أحسست بأن النيل يصغي إلي ويسمعني، فسمعت في صمته العميق أرق ألحان الحب والحنان يصبه في أذناي، فأحسست بسحره وسمعت في هذا الصمت العميق خفقات قلبي، أه من هذا القلب يخفق ويحس ويحن ويئن، سبحان من أودع فيه الحب، كل جاه الدنيا ومالها لا يساوي شيئاً مقابل خفقة من خفقات قلب محب، ونعيم الدنيا لا يساوي شيئاً أمام خفقة فرح في قلب حزين.

إن الحب الذي يأتي به القلب ربما يذهب مع صحوة من العقل، فهذا سهل، والحب الذي يأتي به العقل ربما يذهب مع عاطفة من القلب، فهذا سهل أيضاً، اما الحب الذي يأتي به القلب والعقل معاً، فهو داء لا يذهب إلا بجنون أو موت، ورحمة الله لمن كان يعاني مثل هذا الداء.

بعد قليل رأيت صفحة النيل وكأنها تقول لي وقتك انتهى ودع غيرك يحدثني، ووجدت نفسي مرة ثانية وسط ضباب الوحدة، لكني اكتشفت أن صديقي الوحيد الذي لا يتحدث، بل يسمع ويكتم ولا يبوح، والوحيد الذي كبرت معه ولم يرحل.. النيل .



معشوقة القمر





نشرته بأخبار يوم بيوم وجريدة المواطن

كنت خالي البال أحيا في هدوء ولا أهتم بشيء، حتى جئتي أنتي، فصارت أخبارك أهم الأخيار، وأشيائك الصغيرة هي أشيائي الكبيرة، وطالت جلستي أمام صورتك بل صادقتها، وعرفت مشاعر الغيرة التي تصل بدرجة حرارتي إلى ما بعد الأربعين دون أن أكون مريضاً، لكني مرضت بكي ولا أتمنى الشفاء منكي.

حين تغيبين عني أشعر بجفاف في حلقي وموجات ضياع تحتويني، تشغلين روحي وهوائي ومائي بدفء ماء قلبك، روحك تسكن أرض روحي، وفي أحاديث الناس ألقاكي، وفي نور الأشواق تولدين كل صباح ويستعاد خلقك.

بعد طول الغياب وتشتتي في الأراضي، وتأملي لسحر عينيكي وسباحتي في بحر روحك، وقلقي وأرقي الذي لا سكن له، هل يسكن شوقي بالقائك؟ هل بعد عبوري البحار سأهتدي إلى شاطئك، إن الشواطئ أمامي كثيرة وممتدة، لكني لا أستطيع أن أخلد إلا على شاطئك، تحت ظلال شعرك، لأبدأ تاريخي وأكتب بدايته تحت أقدامك.

إني دائم البحث في ذاتك عن مكاني، ليتني أجهل العشق وأماراته فأخمد كل عواطفي وأشجاني، لقد هبطت اللهفة في مطار الأشواق واستقرت على ساحة ميناء صدرك.

أمازال لي في قلبك رصيد؟
لقد تغيرتي.. اللهفة ماتتن والأشواق انتحرت، ولمعت العينين انطفئت، وأحاسيسك الحلوة فترت.. يا حبيبتي لا تكوني عنصرية وترقصين مع الربيع لأنه بلون عينيكي، فأنت ذكرياتي الوفيرة في أزماتي الكبيرة، أنتي أرضي الأخيرة، يا أيقونة النساء، يا لؤلؤة السماء، يا معشوقة القمر.

الضمير الثوري وحرية المصريين




نشرته بديل وأخبار يوم بيوم وجريدة المواطن ومجلة الكرنك

مثلما هي الحواس الخمس ضرورية وملحة ولا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال، ثمة حواس غير محسوسة "قد يبدو التعبير غريباً بعض الشيء، لكننا نستخدم هنا تعبير حواس بالمعنى المجازي" نقصد الضمير والوجدان والروح وكل ما يشكل وعينا الإنساني، إذ لا يمكن للضمائر الحقيقية العميقة إلا أن تخاطب هذا الوعي وتسهم في تطوره وسموه...
غايت القول: أن الضمير الثوري الإنساني النبيل يبقى ويستمر ولا يخشى أحد مهما بدت الأيام كالحة والقيم إلى انحدار، مهما غيبه المتحكمون بالسياسة والإعلام، ومن خلال كلامنا هذا نقول أننا لا نقصد التعميم ونردد قول الإمام الشافعي "رأيي صوايب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"

أغنية بشرة خير نجحت بشكل باهر لأنها قدمت مصر والمصريين في الصورة التي تشبههم، بأصالتهم وذكائهم ونشاطهم وخفة دمهم، إنها بسيطت الكلمات، عميقة المعنى، تبعث الفرحة في النفوس وتدعو إلى الاستبشار بأن الخير قادم، فأين هذه الأغنية من ما حصل بميدان طلعت حرب، فعندما لاتفرق قوات وزارة الداخلية بين مسيرة سلمية لوضع الزهور في حديقة ميدان التحرير وبين مظاهرة للجماعات الإرهابية تحرق وتقتل المصريين، فأننا بذلك أمام خطر يهدد وحدتنا الوطنية في مواجهة الإرهاب, وصحيح أن المسيرة السلمية لم تحصل على تصريح وكان في قيادتها قادة حزب التحالف الشعبي الاشتراكي, وتوجه أمينه العام المهندس طلعت فهمي لقوات الأمن لإبلاغهم أنها مسيرة سلمية بالورود داعى لها الحزب لإحياء ذكرى شهداء الثورة، ومدى حدود تحرك المسيرة وهدفها لوضع الزهور التي يحملونها، إلا أن عناصر الامن لم تمنعهم بالشكل السليم وقامت بالتعدي على المهندس طلعت، وإطلاق الخرطوش على المشاركين في المسيرة رغم قلة عددهم، مما أسفر عن إستشهاد شيماء الصباغ أمينة العمل الجماهيري بالاسكندرية "بخرطوش في الرقبة و الضهر أدى لوفاتها, وتقرير الطب الشرعى أثبت هذا" وكذلك القبض على المهندس طلعت فهمي أمين عام حزب التحالف الشعبي الاشتراكي وبعض أعضاء الحزب الذين لم يقاوموا قوات الأمن بأي وسيلة تذكر.

وأين بشرة الخير من النفير العام الذي تطلقه كثير من القنوات المصرية التي نتابعها، التي يخيل إلينا أنها مازالت في زمن النظام المخلوع، وأن مذيعيها ومعلقيها يفهمون الإعلام على أنه تأييد على طول الخط وتصفيق حار ومحاباة وتملق قد يكون صادقاً لكنه يرتدي ملابس بالية وفاضحة، فما نراه هو عودة إلى تقييد الحريات والاستئثار بالرأي الواحد وإخراس  كل وجهة نظر مغايرة.

 نحن من أنصار تصحيح مسار الثورة وضد الذين حاولوا اختطاف غليان الشباب لتوجيهه نحو أهداف قاتمة لا تشبه صورة مصر أم الدنيا، فنحن مؤمنون بأن الربيع العربي عموماً والمصري خصوصاً، لا يمكن ان يزدهر إلا بالحرية وبتقبل الرأي الآخر، مادام أصحابه يعلنون عنه بمنتهى الاحترام، من غير تهديد بسلاح او بإرهاب، إن الرأي المخالف قد يؤلم، لكن الحوار كفيل بمداواة الجروح وإيصال جميع الأطراف إلى بر الأمان، وسيبقى هناك وعياً ينتصر للثورة وينحاز إليها، وهو المدخل الصحيح لخروج مصر من النفق المسدود وإعادة الاعتبار للمواطن، بوصفه إنساناً لا بوصفه عنصراً في هذا الفصيل أو ذاك، فإن عادت الديكتاتورية فسيكون الخلاص حتمي، فالمصريون لم ولن يقبلوا الذل والهوان والقمع والاستبداد، ولا أحد يقدر أن ينزع حق الشعب اكتسبه، فالملايين التي نزلت في 30/6 والتي نزلت في الانتخابات الأخيرة لم تقدم شيك على بياض لأحد.  

أوفى الأصدقاء







 نشرته باليوم السابع وأخبار يوم بيوم والمواطن

هي علة إن لم نبتل بها منذ الصغر لن نبتلى بها عند الكبر، وبعضنا مبتلى بهذه العلة "بالمعنى الإيجابي طبعاً أي الشغف بها" فبين سطورها إفادة وعلى هامشها متعة، لذا تسمو القراءة بالكتاب إلى مرتبة "أوفى الأصدقاء"

أجلس بين أرفف مكتبتي وأتساءل: لماذا حرصت على تجميع هذا الكم الهائل من الكتب رغم يقيني أن عمري أقصر من قراءة كل هذا، فمنذ سنوات لم أنم باكراً ولم أغلق هاتفي قبل النوم ولم أمارس هواياتي المفضلة ولم أقرأ في كتاب قبل النوم كالعادة.. نسفت التكنولوجيا أجمل ما بنا.

نلجأ إلى القراءة كلما كان لدينا وقت فراغ، فالقراءة تدعنا ننفصل عن المشاكل اليومية، فنقرأ بكل جوارحنا وندخل في تفاصيل ما نقرأ ونعيشه في مخيلتنا، ومن هنا يأتي تفضيلنا للرواية على الفيلم، لأننا في الرواية نشاهد الصور في مخيلتنا، وتصبح الكلمة ثلاثية الأبعاد في أذهاننا، فالقراءة تحملنا إلى أمكنة أخرى، القراءة هي عملية معرفية تقوم على تفكيك رموز تسمى حروفاً لتكوين معنى الوصول إلى مرحلة الفهم والإدراك، وهي وسيلة للتواصل والتثقيف تُكسب المرء عقلاً واعياً وناضجاً، وعلى الرغم من التطور التكنولوجي الذي يُفترض أنه أتى كداعم للقراءة وميسراً لها، إلا انه لا مفر من الاعتراف بأن المشهد العام يكشف عزوفاً متزايداً للبعض عن القراءة.

وقراءة كتاب جديد، شوق ومتعة وفي حد ذاتها تجربة إنسانية، تزود الأنسان بأفكار جديدة ذات قيم، وتوسع المدارك والخيال وتفتح أمامنا أفاقاً رحبة في عالم الفكر والفن والمعرفة، فالفصل بين الكاتب وكتاباته مرحلة وعي يصل إليها القارىء الواعي فقط، فالقراءة في حد ذاتها وسيلة لإشباع شيء معين داخل الإنسان، حيث انها تجعله يتعايش مع ما يحيط به وعلى اطلاع عليه، وعلينا أن نقرأ في كل المواضيع الأدبية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية وحتى البيئية، ليكون مخزوناً ثقافياً شاملاً.

وقراءة نتجات الفكر العالمي، من فكر وأدب وفن وسياسة، تجلب فائدة ومتعة دائمة وتفتح أمامنا عالماً جديداً وآفاقاً غير معهودة، فضلاً عن الاستزادة الروحية والفكرية للإنسان، حيث تجعل منه عنصراً فاعلاً ومؤثراً في الحياة وليس سلبياً انطوائياً يعيش على هامش الأحداث والمستجدات.

فلا تكتبوا لمجرد الكتابة، ولا تقرأو لمجرد القراءة، فالكتابة والقراءة هما أوفى من تبقى من الأصدقاء فعاملوهم باحترام، فالذين يشبهوننا في التفكير والتفاصيل والقناعات والقراءات والكتابات والانكسارات والحزن وفي الألم، هم أكثر الناس تقديراً لأقلامنا.

وعن الكتابة قالو:
ـ إذا شعرت وأنت تقلب الصفحة الأخيرة في الكتاب الذي تقرأه بأنك فقدت صديقاً عزيزاً فاعلم أنك قد قرأت كتاباً رائعاً.. بول سويني.
ـ لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة، ولكنني أحبها لأن حياة واحدة لا تكفيني، بها تعيش أكثر من حياة في عمر واحد.. عباس محمود العقاد.
ـ القراءة تصنع إنساناً كاملاً، والمشورة تصنع إنساناً مستعداً، والكتابة تصنع إنساناً دقيقاً.. فرانسيس بيكون

الدين لله والوطن للجميع






نشرته في اليوم السابع وأخبار يوم بيوم وجريدة المواطن

لا شيء يعادل حب الوطن، ومهما نتغرب وتجبرنا الظروف على الاستقرار في أماكن أخرى بعيدة عن وطننا وأجمل منه بمئات المرات، إلا أننا نظل في حنين دائم للعودة له، وكم نتمنى أن نموت وندفن فيه.

من لا يحب وطنه يشعر بأنه ينقصه شيء، فالوطن يكمل وجودنا في هذه الحياة، والشعور بحب الوطن فطرة فينا، فحين نسافر إلى أي بلد ونشاهد مطعماً للأكلات بلدنا نشعر بالفخر، وحين نشاهد أحد أبناء الوطن ونعرفه من اللهجة، فإننا ننجذب للحديث معه من غير سابق معرفة، وتكفي معرفة مصر وترابها الذي جمعنا يوماً، وماء النيل الذي شربناه معاً، إن حب الوطن فطرة في النفوس الزكية الطاهرة التي لا تبحث عن سبب لهذا الحب حتى تبرره. 

فمصر ليست المكان الذي نرتاح فيه، بل هي أكبر من كل راحة تتعلق بالأسباب المادية أو الأمنية أو الاجتماعية، وهذا لا يقاس بالمعايير الجغرافية أو التاريخية أو سواها، إنه أمر يتعلق بالروح، ومن يعرف سر الروح يعرف سر الوطن.

مصر ليست علماً ونشيد وطني، هي مسألة روحية تجعلنا نعشق كل شيء يرمز إليها، فالعلم قطعة قماش نفصلها على المقاس الذي نريده، لكننا نشعر بأعماقنا أنه شيء مقدس، وبأننا مستعدون للموت في سبيل أن يبقى مرتفعاً خفاقاً، وكلما ارتفع وخفق أكثر نشعر بالفخر والعزه، ونحاول بذل كل ما يمكننا من أجل أن يبقى مرفوعاً، وحين نحقق إنجازاً في أي مجال وفي ذروة الفرح ولا إرادياً، نرفع علمنا ونقبله.

قطعة قماش ألوانها متوفرة، نلبس هذه الألوان الأربعة في ملابسنا من قمصان وتي شيرتات وبناطيل... و لكن الألوان لا تأخذ قدسيتها وهيبتها إلا عندما تجتمع مع بعضها، فحين يجتمع الأحمر والأبيض والأصفر والأسود تختلف الأمور والمشاعر ويختلف كل شيء، لأن هذه الألوان هي رمز مصر، التي لو  سؤل أي أحد منا وهو في قمة سعادته، ماذا تحب أن تقدمه لمصر، لأجاب وأنا منهم.. أرواحنا.

وعن حب الوطن قالوا:
ـ ليس من حرم للفضيلة مثل الوطن.. إدوارد إفرت
ـ الوطن هو المكان الذي نحبه، فهو المكان الذي قد تغادره أقدامنا، لكن قلوبنا تظل فيه.. أوليفر وندل هولمز

بنت البلد الجدعة







 نشرته بالبديل وأخبار يوم بيوم والمواطن
حين يرحلون، نتمنى لهم الرحمة، لكن يؤلم قلوبنا جداً أن نتبع أساميهم برحمهم الله، فرحمك الله يامعالي عبد الله المنياوي.. هكذا فضلت أن تحمل اسم عائلة والدتها للاستفادة من شهرة العائلة الفنية الكبيرة، كان أول لقائي بها عام 97 في إحدى شقق العجوزة أثناء تصوير مسلسل "أم العروسة" حيث كان من بطولتها مع الفنان حسين فهمي، وكنا بعدها سننتقل إلى فيلا بمنطقة مزارع شبرمند، لنتابع تصوير بعض مشاهد المسلسل هناك، وكانت وسيلة النقل هي ميكروباص تويوتا، وحين نزلنا لنركب وسيلة الانتقال كان معنا ممثلة شابة صغيرة رفضت أن تكون هذه هي وسيلة الانتقال وطلبت من الإنتاج توفير سيارة خاصة لنقلها، فنانتنا المتواضعة أقنعتها "انها تيجي على نفسها" بما إننا كلنا سنركب ونتجه لنفس المكان، واقتنعت الممثلة الشابة ورافقتنا على مضض، ومن هنا اكتشفت كم هي متواضعة، وبعدها بعام التقينا مجدداً في مسلسل "لعبة وقلبت جد" حيث كان يشاركها البطولة الفنانون، أحمد بدير ومحمود الجندي وسماح أنور،  وعلى مدار أيام التصوير كانت تجمعنا جلسات  الاستراحة وشرب الشاي لحين الإعداد للمشاهد التالية، وكانت هي حنونة ومتواضعة وطيبة جداً تناقشنا في جميع المواضيع، وتساعدنا في تجهيز مشاهدنا، وأذكر في أحد الأيام كان لها مشهد خارجي مع الفنان أحمد بدير في مدخل إحدى العمارات على كورنيش الزمالك، وكانت هي العمارة التي تسكن فيها الفنانة الراحلة هند رستم، وكنا نحن في استديو عرين الذي يجاور كلية الفنون الجميلة بالزمالك، وكانت في الاستديو تستعد لتصوير مشهدها الخارجي، حيث سترتدي فستان زفاف وطرحة، وبعد الانتهاء من المكياج قالت لمسؤلي الانتاج الأستاذة غزال الشال وعبد العزيز صقر أنا جاهزة، وهنا ظهرت على وجههما علامات التوتر حيث أن السيارة  التي ستنقلها لموقع التصوير تأخرت في توصيل أحد الممثلين وهم بانتظار عودتها، وكان المخرج ابراهيم الصحن رحمه الله، هو والفنان أحمد بدير وبعض من فريق التصوير في شقة الفنانة هند رستم بانتظارها، كي يتم تصوير المشهد في مدخل العمارة حيث سيظهر خلفهم الشارع والسيارات والمارة، ومضى من الوقت 15 دقيقة ولم تأتي السيارة، هنا تدخلت انا وطلبت منها أن نذهب بسيارتي بما أن المكان قريب من الاستديو، فقالت "يلا بينا" فركبت بجانبي وقطعنا المسافة في 10 دقائق، وأثناء سيرنا في الشارع كانت الناس تلمحها وهي مرتدية فستان زفاف فيلتفتون بحثاً عن الكاميرات فلا يجدوها، فمنهم من يقول لها ألف مبروك فتضحك، ومنهم من يسألها من الذي بجانبك، فتجيبهم ضاحكة ابني، فنضحك معاً، كانت طيبة بكل معنا الكلمة.

بعدها توطدت صداقتنا طول أيام التصوير، فكانت تحكي لنا دائماً عن طفولتها وعن بيت جدها، البيت الكبير بحي السيدة زينب الذي  يضم 8 غرف وصالة كبيرة جداً، ففي ذلك البيت ولد وتربي أحد عشر ولدا وبنتا، هم آمال زايد والدتها وجمالات زايد والصحفية مهجة زايد والسيدة مواهب زايد خالاتها، وأخوالها المنتجين محمد زايد ـ  ممدوح زايد ـ مختار زايد ـ مطيع زايد ـ محسن زايد...

وكانت تحب الإفطار الرمضاني السنوي الذي كان يقيمه خالها المنتج الراحل محمد زايد الذي كان سبباً في أن تمتهن العائلة التمثيل والانتاج، ويجمع فيه كل أفراد العائلة، كما أنه لم يكن أحد  يتخلف عن الليلة الكبيرة في مولد السيدة، الذي كانت أبرز معالمه بالنسبة لها أرغفة اللحم المحمر وأطباق الفول النابت، وبعد وفاة محمد زايد استمر المنتج مطيع زايد في إقامة الإفطار الجماعي والمولد سنويا.

والدتها آمال زايد شاركت في أعمال أكثر منها "شيء من الخوف" في دور أم النجمة شادية، وأمها أيضاً في فيلم "عفريت مراتي" لكن الدور الأبرز كان "أمينة" زوجة السيد أحمد عبد الجواد "سي السيد" في ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة التي قام ببطولتها الراحل يحيي شاهين .

خالتها الفنانة جمالات زايد، التي لقبت بملكة الزغاريد في السينما المصرية، حيث بدأت مشوارها مع التمثيل من خلال الإذاعة التي اشتهرت فيها بدور "أم بندق" في فرقة "ساعة لقلبك" وأيضا دور "أم علي" في مسلسل "عيلة مرزوق" ثم شاركت في أعمال سينمائية عدة بينها "فاطمة وماريكا وراشيل" و"الآنسة حنفي" و"الستات ما يعرفوش يكدبو" و"اسماعيل يس في الجيش" لكن يبقي أشهر أدوارها هو دور أم الراحل عبد المنعم ابراهيم في فيلم "سر طاقية الإخفاء" ولجمالات طرائف يعرفها كل سكان شارع الرفاعي بالسيدة زينب، وتتذكرها فنانتنا، فإن ملوخية خالتها جمالات كانت إحدى أهم الروائح التي تصدر عن البيت، ويعرف الشارع كله أن أسرتهم ستأكل ملوخية يوم أن تطبخ جمالات، لأنها كانت تطلق زغرودة عالية عندما تهم بطش الملوخية إضافة إلى الشهقة المعروفة، وكانت تقول إن الشهقة للنفس أما الزغرودة فتجعل الملوخية لها عرق.

خالتها الصحفية الكبيرة مهجة زايد التي اتجهت للكتابة وعملت بالصحافة في مؤسسة روزاليوسف، ولها مؤلفات عدة منها "موسوعة اعرف نفسك من برجك ولونك وكفك" و"عالم الفنجان وحكاياتي مع الفنجان".

عمل أخوالها في الإنتاج ولكن المنتج الأهم والأشهر في العائلة كان الراحل مطيع زايد، الملقب بشيخ المنتجين العرب الذي أنتج عشرات الأعمال الفنية، وكان أحد أعمدة التليفزيون المصري مع بداياته الأولى في الستينات مع المخرج إبراهيم الصحن، وقدما عشرات الروائع، ويعد مطيع زايد صاحب فضل كبير على مدينة الإنتاج الإعلامي التي لولا وقوفه إلي جوار قياداتها في ايامها الأولى لما تمكنت من الاستمرار،  حيث اصطحب المهندس عبد الرحمن حافظ على نفقته الخاصة إلى دبي وأبو ظبي للتعاقد على أعمال تليفزيونية مع شركات إماراتية، وعادا من الرحلة  بـ 12 مسلسلا ربحت منها المدينة الملايين بينما لم يحصل منها مطيع زايد على مسلسل واحد حيث اعتبرها خدمة للمدينة الوليدة.

مختار زايد الذي اتجه إلى الإنتاج بعد سنوات قضاها في كنف شقيقه الأكبر محمد زايد كمساعد إنتاج حيث قدم عددا من الأعمال المهمة أشهرها "قلب الليل"  بطولة نور الشريف وفريد شوقي وقصة نجيب محفوظ وسيناريو وحوار شقيقه الأصغر محسن زايد وإخراج عاطف الطيب و"الثلاثية" و"الليلة الموعودة".

وكان الراحل محسن زايد بدأ حياته ضابطا في الجيش وظل فيه طيلة فترة حرب الاستنزاف قبل أن يخرج مصابا عام 1974 ورغم أنه درس الإخراج فإن وجوده بالجيش حرمه منه ليفرغ طاقاته في الكتابة وكانت أول أعماله سهرة تليفزيونية بعنوان "الديابة" قامت ببطولتها علوية زكي عام 1969 ليلتقطه بعدها الراحل الكبير صلاح أبو سيف عام 1971 ليكتب له سيناريو الفيلم الشهير "حمام الملاطيلي" ثم تتوالى أعمال محسن زايد من مسلسل "أرض النفاق" لفؤاد المهندس إلى فيلم "السقا مات" إنتاج يوسف شاهين وبطولة عزت العلايلي وإخراج صلاح أبو سيف و"اسكندرية ليه" ليوسف شاهين ومسلسل "عيلة الدوغري" عن نص لنعمان عاشور من بطولة عماد حمدي ويوسف شعبان وإخراج ابراهيم الصحن إلى" الثلاثية" و"القضية 80" للمخرج يوسف مرزوق و"لسه باحلم بيوم" لنور الشريف و"ليلة القبض علي فاطمة" لمحمد فاضل و"قهوة المواردي" لنبيلة عبيد وفريد شوقي، ومن الأفلام "أيوب" لعمر الشريف وفؤاد المهندس و"قلب الليل" و"المواطن مصري" لعمر الشريف وعزت العلايلي ومسلسلات "الحاوي" لفاروق الفيشاوي و"بنات أفكاري" لمحمود مرسي وإخراج يحيي العلمي و"العائلة العاشورية" و"حديث الصباح والمساء" لليلي علوي وإخراج أحمد صقر، آخر أعمال محسن زايد كان مسلسل "بنت بنوت" من بطولة مي عز الدين وحسن حسني وأخرجه ابنه ياسر زايد، واستكملت كتابته نشوى زايد المتزوجة حاليا من النجم السوري أيمن زيدان.

معالي زايد درست فى المعهد العالي للسينما وكلية التربية الفنية، وبدأت مشوارها الفني بمسلسل "الليلة الموعودة" وقدمت عددا من أبرز المسلسلات المصرية بينها "دموع في عيون وقحة" و"عيلة الدوغري" و"الثلاثية" و "الدم والنار" و"حضرة المتهم أبي" و"امرأة من الصعيد الجواني" إضافة إلي أفلام عدة بينها "السادة الرجال" و"سيداتي آنساتي" و"الشقة من حق الزوجة" و "كتيبت اعدام"
تزوجت مرتين إلا أنها لم تنجب لكنها كانت تكفل طفل يتيم، فرحمة الله عليكي يا بنت البلد الجدعة.